آراء معاصرة
القضاء و القدر
سؤال يتردد دائماً على الشفاه، يقلق الضمائر، ويحيك في النفوس، ويقض المضاجع، هل الإنسان مخير أم مسير ؟ يجيبنا الحق جل جلاله: (ذلك بأن الله لم يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) سورة الأنفال: 53
هي حقيقة عظيمة تلك التي تقررها هذه الآية، بل هي حقائق أربع تتعرض لعلاقة الإنسان بالقدر.
1- الحقيقة الأولى: أنها تنفي الحتمية السلبية المفروضة على الإنسان وتعلن أن للإنسان شأن وقدرة على تغيير قدره بالمقدار الذي يستطيع به أن يغير نفسه، وهي تنفي الخضوع المطلق إزاء حتميات جبارة ليس للإنسان أمامها حول ولا قوة.
2- الحقيقة الثانية: هي التلازم بين العمل والجزاء في حياة الإنسان ونشاطه وتصور عدل الله المطلق في جعل هذا التلازم سنة من سنته يجري فيها قدره ولا يظلم فيها عبد من عباده. (وأن الله ليس بظلام للعبيد) آل عمران: 128 إنه تقرير لعدل الله في معاملة العباد، فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم، ويبدلوا سلوكهم ويقلبوا أوضاعهم ويستحقوا أن يغير الله ما أعطاهم إياه للإبتلاء، والاختبار في النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها.
3- الحقيقة الثالثة: هي التكريم البالغ للإنسان حين يجعل قدر الله ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله، ويجعل التغيير القدري مبنياً على التغيير الواقعي في القلوب والنوايا والسلوك ومقابل هذا التكريم هنالك تبعة عظيمة وهي:
4- هذه التبعة العظيمة تجعله هو المسؤول عن استبقاء نعمة الله عليه إذا شكرها أو زوال هذه النعمة إن هو إلا بطر وأنكر وانحرفت نواياه، وتعثرت خطاه. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (قيدوا النعم بالشكر). قد نقول لأنفسنا أننا في حال من الرضى، فنحن في الموقع الصحيح للتعامل مع نعم الله عز وجل، أي أننا في حال من الدفاع عن استراتيجيتنا الخاصة، حيث أن لكل استراتيجية تصورها ورؤاها، يقول المثل: ووزعت العقول ففرح كل منهم بعقله.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
إذن الإيمان مشروط بتغيير زوايا الرؤية أي تبديل الأمكنة وتغيير الاستراتيجيات، هذا الحديث الشريف هو ثورة هائلة، انقلاب كامل يحث كل منا عن التخلي عن استراتيجيته وما فيها من رؤى وأهواء ونوازع ويدفعنا لمغادرة مواقعنا وحصوننا إلى حيث يقف أخونا المؤمن وأختنا المؤمنة، فنبصر الحدث بعيونهم ونحس بإحساسهم، فتلغى المصالح الخاصة وتزول الأهواء ويغلق الباب على (الأنا) العليا التي نتعامل بها مع الآخرين، قال تعالى: (ولا أقسم بالنفس اللوامة) سورة القيامة: 2
هذا القسم فيه عدول عنه، وهو أوقع في الحس من القسم المباشر وهذا الوقع هو المقصود من العبارة.
فعن الحسن البصري يقول في تفسيرها: إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتي ؟ ما أردت بحديث نفسي ؟ وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه. هذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب ذاتها وتتلفت حولها وتتبين حقيقة هواها وتحذر خداع ذاتها هي النفس الكريمة على الله حتى ليذكرها مع القيامة: (ولا أقسم بالنفس اللوامة)
إنها الصورة المقابلة للنفس المتكبرة التي تريد أن تمضي قدماً في مسارها وتدافع عن موقعها واستراتيجيتها معلنة ولاءها لتلك الاستراتيجية وما فيها من أهواء ونوازع. وهي أيضاً النفس المطمئنة المتلهفة للقاء ربها الراضية بعطائها المستكينة لحكمه الموقنة بصدق وعده من جنان عرضها السموات والأرض.
(يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) الفجر: 27
اللهم اجعلنا ممن يتخلون عن الأنا العليا في رؤاهم وتعاملهم.
اللهم اجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم اجعلنا قادرين على تغيير أنفسنا بما يرضيك عنا حتى تنعم علينا نعماً مقيدة بالشكر مضاعفة بالرضا.
|