آراء معاصرة
رسالة إلى طفل الحجارة
كنت على وشك من الانتهاء من مقالتي التي ابتدأتها في العدد الفائت واعدة القارئ الكريم بأن (للحديث بقية) حتى طالعتني الأخبار الصباحية وهي تتحدث عن آخر عملية انتحارية فتى فلسطيني أدت إلى مقتل عشرين قتيلاً وجرح عدد آخر في نادي ليلي في مدينة تل أبيب.
عندها سكت الكلام عن قلمي، وماتت الحروف في شفتي، حتى الدمع في مقلتي جال فيهما لوهلة ثم احتبس.
تلفت حولي فلم أجد إلا صورة الطفل الشهيد تنتصب أمامي بكل اتجاه، حاولت أن أهرب بقلمي في ساحة الورق لأكمل ما بدأت، وأفي بما وعدت، فحاصرني شعور عظيم بالخجل كلل هامتي، وشعرت بالخزي يضائل وجودي التافه إلى وجودك العظيم يا طفل الحجارة. فإليك أهدي مفردات الإكبار، وإليك أهدي أسطر التعظيم والإجلال، فبئس الكلام إلا عنك، وبئس الهتاف إلا بك.
إزدردت الحروف فلم أجد لها طعماً، وطاشت أفكاري كعصافير مذعورة أصابها طلق ناري لصياد أحمق، وعصر بي إعصار عنيف لمشاعر متناقضة ليس فيها إلا حقد وثورة وغضب وأسى عظيم.
كرهت الدمع الذي سال على وجنتي ورأيت أنه بلا معنى أمام سيل دمائك المتدفقة، واشمأزت نفسي من قدح القهوة في يدي، والأريكة الوثيرة التي أفترشها، ومن كل بادرة نعيم سأسأل عنها. (ثم لسئلن يومئذ عن النعيم) التكاثر:8.
أيها الفتى المارد أيها الغلام الباسل يا برعماً لم تكتحل بعد عينا أمك لتراك غصناً مزهراً، يا جيشاً سدد أعضاؤه الفتية قنابل تفتك بأعدائه. هذا الدمع اللعين المتمرد المتدفق من مقلتي كيف لي أن أحيله حمماً تحرقهم، هذا الفيض المتأجج أسى من مهجتي كيف لي أن أجعل منه زلزالاً يخسف الأرض بهم.
هذه النظرة المفجعة في عيون أمك الثكلى تدمي فؤادي، كيف لي أن أحيلها صرخة تهز الضمائر، لتنهي لعبة الاجتماعات المنعقدة في القمم تارة وتارة على السفوح، لقد انتهينا إلى الحضيض ونحن نبعثر أوراق المفاوضات السلمية على موائد الحوار. وفي صناديق الشكاوي، ثم ننسقها ونرتبها وننمقها حتى نجعل منها كراريس تشهد أراشيفنا على خزينا وتخاذلنا ونحن نتفرج على لعبة الحجر والمدفع، ونصفق للصراع الدامي في الحلبة بين الطفل والوحش.
يا فتى الحجارة، ألم تجد في هذا النادي الليلي، في بؤرة اللهو المجرم ؟ ألم تجد ما يغريك كأترابك إلا رداء من القنابل تغطي به جسدك اليافع حتى تسقي الحضور من حولك كأساً من الردى سقوه لإخوانك طويلاً حتى أصبح شرابكم وليس لكم سواه ؟؟؟
يا فتيان فلسطين.. هل أصبح الموت عروساً تزفون إليها فتشيعكم أمهاتكم بالزغاريد والهتاف ؟
هل وصل الصهيوني إلى عبقرية التعذيب والإرهاب أن أحال الموت لديكم إلى واحة تفر إليها أحلامكم بالعدل والنصر وتلوذ بها من هذا العالم المتعفن من النفاق والكذب. وهذه الملايين المحتشدة حول الكعبة المشرفة (قبلتنا الثانية) أما آن لها أن تكمل مسيرتها لتصل قبلة المسلمين الأولى ؟ وهذه الأيدي المرتفعة لرجم إبليس إبراهيم، أما آن لها أن تكمل بعض الخطوات كي ترجم إبليس موسى ؟؟
عجباً!!؟ أنرجم إبليس في ذاكرتنا نهى إبراهيم عن نحر ابنه وننسى إبليساً يقف أمامنا بوجوده الشرس وكيانه الآثم وندعه ينحر كل يوم غلاماً من أبنائنا ؟ هل تركنا رجم إبليس هذا للأطفال، وعدنا إلى ديارنا سالمين غانمين موعودين بالجنة التي هي ثمرة حجنا المبرور وسعينا المشكور، ونمنا ملئ الجفون تاركين إبليس بين الأقصى وقبة الصخرة لا يرجم إلا بأيدي صلى الله عليه وسلم
هل طاب لأناملنا الرقيقة اللطيفة مداعبة أوتار الوعود والحلول السلمية وعهدنا إلى قبضات أطفالنا أن تحمل الحجارة كي تدافع عن قبلة النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم الأولى.
يا طفل الحجارة….
يا أيها الغلام الشهيد.. إنني لا أرثيك ولا أنعيك فالأبجدية محدودة إلى منالك، وقلبك العامرة بالقوة والإيمان لن يكفيه مأوى سوى جنة عرضها السموات والأرض وعدها الله لعباده الصابرين.
(الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. الذين قال الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم). صدق الله العظيم (آل عمران 172-175). |