آراء معاصرة
رسالة إلى من يهمه الأمر
السلام عليكم:
وددت أن أتحدث إليكم من قبل ولكن صوتي ما كان ليسمع، لقد ضاع صوتي بين أنين المظلومين، ونحيب اليتامى، ونواح الثكالى، بين صراخ المعذبين في ظلمات السجن، وأزيز رصاص المعتدين وهزيم مدافعهم، ضاع صوتي بين الزحام.
كان الصمت حديثي إليكم طوال خمس وعشرين عاماً. عندما كنت مسفراً إلى دنيا البقاء، كانت تزدحم في رأسي خواطر شتى، كانت دقائق فحسب، ولكنها كانت كافية كي يمر في خاطري ماضي عمري القصير، طفولتي وشبابي.
خلال رحلتي إلى ذاك العالم، كنت أنظر إلى ما حولي، وأعرف أنها آخر مرة أرى فيها الدنيا، وقد رأيتها وكأنها أول مرة، تذكرت فجأة أن هذا الشهر هو آذار أول فصل الربيع. منذ عام 1948، وهذا الشهر يأتي حاملاً معه عبير أزاهير الليمون والبرتقال هذا العبير الذي ما يلبث يتصارع مع رائحة الموت والبارود والدخان، ثم يرحل أسفاً يلملم ألوان الحب والفرح وهو يتمتم: ربما في العام القادم سأحمل لأهالي هذه الأرض الطاهرة فلسطين رداء البهجة والسلام.
مررت بزقاق ضيق، تذكرت كيف كنت أختبئ، وأترابي خلف دواليب قديمة ثم نرشق الجنود الإسرائيليين بالحجارة، نولي الأدبار بعدها مطلقين صيحات الظفر، كنت وصحبي نحلم أحياناً بأحلام وردية.. بدراجة تحملنا إلى حيث بيارات البرتقال.. أو بكرة نتراشقها فيما بيننا كتلك التي يملكها صبيان إسرائيل.. أما الحلم أن نعود إلى مقعد الدراسة وأن نحمل قلماً وقرطاساً نكتب فيه فلسطين حرة عربية، فقد بات حلماً أبعد من أن يزور مخيلتنا الحزينة. ما كان بأيدينا كتاباً أو كرة أو حلوى، كنا أحياناً نفتقد الرغيف، كل ما كان بأيدينا حجارة.. هي أشلاء بيوتنا وبيوت أجدادنا المهدمة كان القهر زادنا، والجوع ضجيعنا، والظلم شرابنا، والموت رفيق دربنا، حتى الحلم فقد سرقه عدونا منا. كنت أحلم كسواي من الشبان، أن أقتني داراً صغيرة في وسط بساتين الليمون أن تزف إلى صبية مليحة طيبة من صبايا قريتي، أقتسم معها حلو الحياة ومرها تنجب لي أطفالاً يملؤون الدنيا حولي أنساً وحناناً. إنني شاب مثلكم يا شبان العالم، أحب الحياة، لقد حثني ديني أن أحبها أيضاً، لقد أوصاني أن أبني الأرض، وأعمرها، وأزرعها، وأحصدها، وألا أنسى حظي من الحياة الدنيا التي وهبها الله لي.
- وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا
- قال ربِّ لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. المائدة 25
خلال هذه اللحظات التي تسبق موتي أدركت فقط أنهم أنسوني نصيبي من الدنيا بمكرهم الذي جعل نبيهم موسى أن يدعو الله عز وجل في نهاية المطاف أن يفرق بينه وبينهم بعد أن عتوا وظلموا وكذبوا وخانوا ومكروا وخذلوا موسى عليه السلام، (قالوا يا موسى إن لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إناههنا قاعدون) اغتصبوا مني حياتي عندما اغتصبوا مني أملي في الحياة، متبعين ذات أسلوبهم الخبيث الماكر، بذات الطريقة التي كانوا يحتجزون بها حياتهم يوم السبت، ثم يصطادونها في اليوم الذي بعده، (وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون) الأعراف 163.
قالوا إنني ذاهب أقتل الأطفال والأبرياء ترى من كان قتلى مجزرة قانا.
والمجازر في صبرا وشاتيلا والآن مجزرة جنين التي دفن فيها المواطنون العزل تحت ركام بيوتهم حتى بلغ عدد الشهداء من الأبرياء والأطفال والنساء500شهيد،ومجزرة ديرياسين عندما كان الجنود الإسرائيليون يدوسون بأقدامهم الثقيلة رؤوس الأطفال الرضع فيهشمونها،عندما كانوا يتراهنون على جنين الحامل أولد أم بنت ثم يبقرون بطنها،ويطلق الفائز صيحة الظفر، وتترك الأم تصارع الموت للحظات حتى تلاقيه.
قالوا إنني ذاهب أقتل الناس في يوم العبور، هل نسي الناس قتلى رمضان عندما اغتالهم يد الغدر من ورائهم وهم ساجدين في صلاة الفجر في آخر يوم جمعة من شهر رمضان. لقد لوحوا لنا طويلاً بكأس المنون متوعدين مهددين، فإذا بنا نسعى إليها،نرشقها نتجرعها حتى الثمالة، ترى بماذا سيهددوننا بعد ذلك؟
لقد شربنا يا إخوتي كأس الردى.. ولكن هيهات كأس الذل أن يسقوه لنا، عندما وصلنا فندق ناتانيا، كان الجميع في سعادة وحبور يهزجون ويمرحون ويأكلون من أطايب الطعام وخيرات أرضي، بينما كان قومي هناك تحت الخيام يتضرعون جوعاً ويصارعون البرد والجوع والمرض، وفنون التعذيب الوحشي في معتقلاتهم الرهيبة… انقطع شريط الذكريات فجأة.
أخيراً وصل صوتي إليكم بعد صمت خمس وعشرون عاماً، الله أكبر.. سمعتم صوتي فقط عندما انفصل رأسي عن جسدي، عندما تمزقت إرباً وأشلاء وتناثرت في قاعة الحفل عجباً لقد عاد لي الحلم حلم عذب بهي… لا بل إنه حقيقة جميلة وضاءة.. أمي أراك تبكين وأنت تحتضنين صورتي.
كفي بكاء يا أمي، دمعك يؤلمني، ويحرق مهجتي الممزقة، وجنتاك ذابلتان وعيناك مقرحتان … لماذا ؟ عجباً يا أمي أتبكين وأنت من أرضعتني حب الوطن والأرض، حب الكرامة والإباء، أوليس الشبل من ذاك الأسد، أوليس الشبل من تلك اللبوءة.
أعتذر إليك يا أماه، أنا أعرف أنه عيد الأم، وأنني لست هناك ألثم يديك الطاهرتين، وأطلب رضاك، وها أنت قد سرق منك الحلم أيضاً، كنت تتمنين أن تزغردي ليلة عرسي، كنت تحلمين بأحفاد يتهافتون حولك وأنت تصنعين لهم أقراص العجوة والحلوى النابلسية.
بمكرهم الذي تزول منه الجبال سرقوا منك الحلم، وسرقوا مني الحياة، ثم أعلنوا للدنيا أني إرهابي وقاتل، ومغسول الدماغ، ترى من هو المسؤول عن غسيل دماغي، أليسوا هم من سلب أرضنا، وشوهوا تاريخنا، وعبثوا بالعهود والمواثيق والشرائع، دمروا المساجد، هدموا الكنائس، هتكوا حقوق الإنسان، من مسلمين ومسيحيين كانوا يعيشون في أرض فلسطين بأمان وسلام ومودة برهانهم الآية الكريمة من سورة المائدة 82: (لتجدن أشد عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون). يا أخي الإنسان أياً كنت، أياً هو مذهبك أو عرقك أو لونك إنني مثلك أملك الحق في أن أعيش في أرض أجدادي، إنني مثلك أحب أن أحيي ضوء الشمس في الصباح وأحب أن أقطف زهور الربيع، أحب أن أحصد قمح أرضي، وأصنع خبز أطفالي.
يا أخي الإنسان أياً كنت أياً كان دينك أو معتقدك أو جذورك، إن الله قد ناداك في كتابه العزيز القرآن، وخاطبك في سورة القرآن، وخاطبك في سورة الإنسان (1-3): (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يك شيئاً مذكورا، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا، إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا)
أيها الإنسان خالقك ومبدعك يناديك ويذكرك بنعم السمع والبصر والعقل وهذه النعم هي ابتلاء وامتحان، قد تخرج منه إما شاكراً وإما كفورا، امتحانك هو الآن يا أخي على وجه الأرض، يا من تملك السمع ألا تسمع، أنين الجرحى في فلسطين يتركون تنزف دماؤهم حتى الموت ؟
ألا تسمع نحيب الأمهات الثكالى في بهيم الليل ؟ ألا تسمع اسثغاثات المعذبين في غياهب السجون ؟
يا أخي الإنسان، يا من تملك البصر، ألست ترى جثث الفلسطينيين في المقابر الجماعية، ألست ترى أجساداً ممثل بها، ودماء تجري كالأنهار في شوارع المدينة المقدسة ومهد الديانات السماوية.
يا أخي الإنسان، يا من يملك العقل هل سيهديك عقلك وإنسانيتك لأن تكون شاكراً لنعم الله فتنصر أخاك الإنسان في فلسطين. أم أنك ستكون كافراً فتغمض عينيك عن الحقيقة وتصم أذنيك عن سماعها.
أيها الإنسان أياً كنت شاكراً أم كفوراً ستبقى إنساناً في الحالتين تصيب وتخطئ. أما أولئك الذين أبادوا شعباً أعزل في أرضه فلا أعتقد أن لهم مكاناً في مجتمع الإنسانية.
|