آراء معاصرة
ابنتي و السيد ج "الجزء 2 "
لأشهر خلت وضمن سلسلة آرائي المعاصرة التي أشركت بها القراء الكرام، كان هنالك مقالة تناولت بها قصة ابنتي والمصاعب التي واجهتها عند قدومنا لكندا منذ عامين ونيف، كان ذلك عندما انتسبت لمدرسة عامة تدرس المنهاج الإنجليزي وهي الحاصلة لتوها على البكالوريا الفرنسية، إضافة إلى البون الشاسع الذي يفصل بينها وبين أترابها من الشباب والشابات كاختلاف المعتقدات، والممارسات، وسبل الترفيه والمتعة، إضافة إلى ذلك احتفاظها بحجابها الإسلامي… ثم أخيراً المتاعب التي تعرضت لها من أستاذها (ج) مدرس مادة الاقتصاد، فقد كان لها رحلة صعبة من التحديات والصدامات التي انتهت آخر العام بتوقيه على كتابها السنوي جملة (شكراً لك يا عليا لأنك جعلت مني أستاذاً أفضل) ومما لا شك فيه أن هذا الاعتراف له قيمة عظيمة وخاصة وأنه صادر عن شخص يفوق والدها سناً وبين موقعه يهودي غربي وموقعها عربية مسلمة عداوة وخصومة تشغل العالم بأسره.
في العام الحالي وعلى وجه التحديد في يوم الأربعاء الفائت قررت عليا زيارة مدرستها الثانوية بمناسبة عيد الحب الذي يتصادف وعيد ميلاد رئيسة الموجهات في المدرسة السيدة (ل) والتي رعت عليا وقدمت لها يد العون طوال العامين الماضيين. وعند دخولها المدرسة صباح ذلك اليوم، الثالث عشر من فبراير قابلتها مسؤولة المكتبة وأبدت فرحاً وغبطة عظيمين بلقاء عليا، وبعد أن سألتها عن دراستها وأحوالها العامة أخبرتها أن إدارة المدرسة من مدير ومدرسين لا تفتأ تذكر عليا في كل اجتماع مع الطلبة كمثل أعلى وقدوة تحتذى لجدها ودأبها وأخلاقها العالية. دخلت عليا غرفة السيدة (ل) التي بادرتها بعناق حار، شاكرة لعليا هديتها اللطيفة. كان الحوار حميماً ودوداً يؤكد أن العواطف النبيلة الصادقة يمكن دائماً أن تولد وتعيش دون اعتبار لفوارق الجذور والأديان والأجناس. وبينما كانت السيدة (ل) تنهال على عليا بأسئلتها إذ بالسيد (ج) يدخل الغرفة ويطلق صيحة فرح للقائه المفاجئ بها، ثم أردف مازحاً لولا أنني أعرف أن هذا لا يتفق مع معتقداتك لأعطيتك ضمة حانية. ثم بادرها سائلاً:
- كيف هي الأمور معك
- جيدة
- وما هي المواد التي انتقيتها لهذا العام ؟
- لم تكن لدي حرية الاختيار، إذ كما تعلم أنني قد غيرت تسجيلي من جامعة أتاوا إلى جامعة تورونتو بعد بدء العام الدراسي بأسبوعين.
- قال: حسناً، ولكن في العام القادم يجب أن تكوني واعية في انتقاء المواد إذا كنت حقاً ترغبين في دراسة القانون الدولي.
- أجابت: أعلم أنه طريق شاق وطويل ولكني مصممة بإذن الله.
- قال: لا خيار لك بل يتحتم عليك ذلك، إن العالم اليوم يحتاج إلى أمثالك فأنت قادرة على استيعاب وفهم مشاكل الشرق والغرب والتقريب بين وجهات النظر، فالمجتمع الغربي لا يستطيع فهم المجتمع الشرقي.
- أجابت: أو على الأصح يسيء فهمه.
- قال: قد يكون ذلك صحيحاً، ولذلك يجب أن تأخذي دورك في إيجاد الحلقة المفقودة للتفاهم بين العالم الشرقي والعالم الغربي، وأنت قادرة على ذلك لكونك أنثى أولاً وعربية ثانياً ومسلمة ثالثاً، فالمرأة المسلمة هي الوحيدة القادرة على توجيه دفة الأحداث إلى منحى أفضل إنها أقدر من الرجل المسلم على تحقيق ذلك، على المرأة أن تظهر في الميدان، العربي المسلم. ثم أردف: المرأة في الشرق الأوسط لديها مشاكلها وهي لا تستطيع إدراك هذه المشاكل وتحليلها ومن ثم تجاوزها وتجاوز ما يوجد حولها من واقع سيئ، إن المرأة الغربية قد استطاعت خلال الحركة النسائية في أميركا الشمالية أن تأخذ حقها في التصويت وإكمال تحصيلها العلمي حتى تستقل اقتصادياً ويعلو صوتها.
- تساءلت عليا: وكيف تستطيع ذلك ؟
- ضحك السيد (ج) قائلاً: الآن سوف أستعير العقل اليهودي لإجابتك (المال) بالمال تستطيعين تغيير كل شيء، في الغرب حصلت المرأة على المال فأصبحت تملك القوة لأنها تملك الثروة.
- أجابت: لكن المال وحده لا يكفي لصنع الحضارة هنالك شروط لتوزيع الثروة ومن أهم هذه الشروط وجود تنظيم اجتماعي عادل، يحمي المجتمع من الاحتكار والفساد.
- أجاب السيد (ج): هذا صحيح معك حق في ذلك، لكن هذا التنظيم يجب أن يكون ثابت لا مجال لتغييره أو تحويره حذف بعضه أو الإضافة إليه.
- قالت: الكتاب الوحيد الذي لم يتغير منه حرف أو إشارة على مدى 14 قرناً هو القرآن الكريم الوحيد وهو المنهج الذي يحقق العدالة بين أفراد المجتمع.
- أجاب السيد (ج): هذا صحيح ولذلك يجب أن تحافظي على لغتك العربية لأن هذه اللغة لها شأن عظيم في المستقبل، وفي الحقيقة أن العرب متنوعين تنوع التاريخ، لكن اليهود غير متنوعين، وتاريخهم واحد والحل الوحيد لوحدة العرب هي الانضواء تحت لواء الإسلام كي يوحد كلمتهم وقوتهم وآمالهم ومصيرهم وإلا فهم سيظلون متنازعين مضطربين.
- أجابت: هذا صحيح.
- ثم أردف قائلاً: لكن العرب المسلمون لا يعطون إبراهيم قيمة النبوة وقدرها ويحصرون اهتمامهم بإسماعيل لأن نبيهم من سلالة إسماعيل.
- أجابت عليا: هذا غير صحيح البتة، لأننا نحن العرب المسلمون لا يعود بأصل الفرد إلى أمه وإنما النسب يعود إلى الأب، وإبراهيم في القرآن الكريم مرجعنا الأول هو أبو الأنبياء وهو أبو إسماعيل وإسحاق بغض النظر عن اختلاف الأمهات فهذا ليس ذا شأن.
- قال: بالنسبة للاختلاف والنزاع بين الشرق والغرب، أنا أعتبر أن كلاهما خاطئ، ليس الغرب هو المتهم الوحيد ولكن الشرق أيضاً في قفص الإتهام.
- قالت: هذا صحيح، ولكن باعتبار أمريكا هي القوة الوحيدة المتربعة على عرش السيادة العسكرية والعلمية والتقنية والاقتصادية فإن بيدها مقاليد الأمور، وبمعنى آخر بيدها الحل والربط خاصة بعد انهيار الكتلة المواجة التي كانت ممثلة في المعسكر الشيوعي السوفيتي، فإن أمريكا لو كانت تعالج الأمور بأسلوب أكثر إنسانية مع الشعوب التي تصفهم أنهم أعداء، فإن العالم كان يكمن أن يعيش على نحو أفضل وبدلاً من ذلك هي فهي ترسل القنابل إلى هنا وهناك وتقيم القواعد العسكرية، إضافة إلى إطلاق الأسماء التي تستفز الشعب وتدع في الناس العاديين أعداء يشهرون أسلحتهم في وجه بعضهم البعض هنالك تناقض جلي بين الشعارات المطلقة لحقوق الإنسان وبين الممارسات التي تتم في العالم الثالث ضد أطفال أبرياء ونساء وشيوخ لا حول لهم ولا قوة.
- ضحك السيد (ج) قائلاً: هذا تناقض يذكرني بيوم من ذات الأيام دخلت فيه المدرسة التي كنت أدرس بها، دخلت الصف ووضعت كتاب دستور دولة إسرائيل على الطاولة، وقلت لطلابي كم هو تناقض فظيع ذاك الذي بين دستور الدولة اليهودية وبين الديموقراطية. كانت النتيجة أن نظر إلي طلابي وكأن مساً من الجنون قد أصابني لأنني كنت أنطق بالحق. ومن يومها أعرضت عن تدريس هذه المواضيع وآثرت تدريس مادة الاقتصاد في المدارس العامة.
- أجابت عليا: هذا التناقض نعاني منه الآن في الإعلام بأمريكا الشمالية فهو إعلام متحيز لا موضوعي، فالحقائق عندما تنقل إلى الغرب تكون مبتورة أحياناً وأحياناً لا تعرض هذه الأخبار نهائياً، فمثلاً قتل الأطفال في فلسطين لا تنقله أجهزة إلام أمريكا الشمالية ولكننا نسمعه في الإعلام العربي فقط.
- أجاب بحماس: هذا صحيح إضافة إلى ذلك فإن طريقة العرض تبخس الحقيقة حقها في كثير من الأحيان فمثلاً يعرض موت الشباب الفلسطيني أنها مسألة ليس ذا قيمة بينما أي ضحية إسرائيلية تقوم الدنيا من أجلها ولا تقعد مما يثير حقد الرأي العام ويؤججه ضد الفلسطينيين.
- قالت: تماماً ودعني أعطيك مثالاً على ذلك فالحادث الذي قامت به حماس في الباص عرض على أنه قصة مأساوية رهيبة ولكن هنالك بالمقابل تعتيم كامل على أسرى الحرب الأفغانية في كوبا.
- قال: ألم أقل لك أن العالم يحتاج إلى أمثالك يحتاج إلى جيل قادر على استيعاب مشاكل الشرق والغرب متفهم مثقف قادر على الحوار ومتيقن أسلوب الحوار دون تشنج أو عصبية. عليك أن تدخلي السلك الدبلوماسي وتصلي إلى الـ UN وأنا مكتبي مفتوح لك دائماً كما وعدتك إنني مستعد لتصحيح مواضيعك الجامعية في أي وقت ودون أجر. أردف: من قبل ما كنت أستطع مساعدتك فقد كنت أستاذك وأنا أحترم مهنتي وقواعدها وقوانينها، ولذلك فأنا لا أستطيع مساعدة طلابي خارج الحصة ولكن الآن يجب أن نقوي أواصر الصداقة والتعاون فيما بيننا… ما رأيك في عشاء يهودي نموذجي. في يوم ما سوف أكون أنا وزوجتي ويمكنك أن تحضري والدتك ومن ترغبين معك إذا كان هذا يشعرك بالارتياح أكثر، وأقرب إلى احترام تعاليم دينك ولا تنسي أنني مثل والدك تماماً هنالك فتاة من الشرق الأقصى أشعر أنها الأخرى بمثابة ابنتي أتابعها بالنصح والإرشاد فإن أهلها ما زالوا بالصين.
- أجابت: سوف أستشير والدتي ثم أتكلم معك لاحقاً.
قد يكون هنالك حوار آخر أو حوارات أخرى، فالحوار كان بين الله عز وجل وبين ملائكته ورسله، والقدرة على الحوار نعمة، والبيان هبة الرحمن لنا منذ أن أكرمنا بالقرآن. بسم الله الرحمن الرحيم: (الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان)صدق الله العظيم.
|