|
لفنّ
والسّلام وأشياء أخرى
"لوحتك رائعة بس إنتِ لابسة كثير"
تلقيت هذه الجملة من أحد أعضاء لجنة التحكيم في معرض الفن
والسلام الذي شاركت فيه في أوائل الشهر الماضي في مدينة
مونتريال.
هذه الجملة التي أعلنت تقييم الجهد الفني المبذول في لوحتي
الزيتية "سجود عند الفجر" قد تختزل تاريخا طويلا من
المواقف والآراء المعاصرة حول صاحبات "اللباس الكثير" أو
بمعنى آخر صاحبات الحجاب(المحجبات).
و بالرغم من أن المعرض قد حمل شعار الفن، ورفرفت فيه طيوف
السلام والصفاء إلا أن لباسي - وأنا الوحيدة التي كانت
تتخذ من الحجاب لباسا آنذاك- لم ينجُ من الغمز واللمز
وطبعا فهذا مثال مختزل عما يجري من تناقض عالمي بين
ديموقراطية مزعومة وديكتاتورية تجتاح الكون بأسره.
أولا : في مجال الفن:
يبدو أنه من الصعب، بل من المستحيل الفصل بين العمل الفني
سواء كان رسما أو نحتا أو غناءا... إلخ وبين صاحب هذا
العمل خاصة إذا كانت أنثى، لقد اعتدنا على أن الأنثى يجب
أن يكون مظهرها جزءا من العمل المعروض، ويبدو واضحا أيضا
أن إخفاء صاحبة العمل الفني لشعرها أو سترها لجسدها سوف
يعرقل عمل الناقد الفني وهو يقف أمام هذا العمل، وهذا ما
حصل معي بالضبط وإن الكلمة الاستدراكية "بس" في كل مجال
نقدي سترافق الحكم على اللوحة وتذهب بآخر أمل في الفوز بأي
مسابقة أو تنافس.
ولا يخفى الأمر على القارئ في أن العروض الفنية المقدمة في
مجال الغناء والموسيقا اليوم قد تلازمت ومظاهر العري
والابتذال لتحقيق النجاح وإحراز الفوز.
ثانيا : في مجال السلام.
التناقض العالمي الذي نعايشه يوميا بين الديموقراطية
والديكتاتورية قد أبرزته الجملة النقدية التي تلقيتها في
معرض الفن والسلام، وفي كندا بالذات البلد الذي منح
مواطنيه حرية العقيدة والمذاهب،.... تلقيتها من الناقد
الفني الذي لم يستطع أن يتحرر من عقد نفسية وقيود فكرية
حملها معه ذات يوم في حقيبة سفره، عندما غادر أرض الوطن
إلى بلاد المهجر.
أيضا العالم شهد بأسره هذا التناقض ، عندما أعلنت فرنسا
ثورتها على الحجاب وحرمت الكثير
من الفتيات المسلمات الحصول على نصيبهن من التعليم في
مدارسها. وعندما استضافت القناة الفرنسية الـ TV5
الفتاتين الفرنسيتين ليلى وألمى المحجبتان لعرض قضية
طردهما من المدرسة. كان من تولى الدفاع عنهما هو والدهما
اليهودي الملحد.. وعبّر قائلا:
أنا لا أستطيع أن أفهم وجهة نظر ابنتيَّ، لماذا ارتدتا
الحجاب، فأنا ملحد وهما مسلمتان، ولكن كونهما سعيدتين
وراضيتين بقرارهما، أجد نفسي ملزما بالدفاع عنهما ثم
استطرد قائلا: المضحك في الأمر أن إدارة المدرسة قد طلبت
من الفتاتين حسرالحجاب قليلا إلى ماوراء الأذنين، بمعنى
آخر أن الأنثى اليوم في القرن الواحد والعشرين تتناسب
إمكانياتها في الحصول على التعليم طردا مع مساحة الجلد
المكشوفة منها.
لقد استضافت الـ TV5 آنذاك المفكر الإسلامي المتميز طارق
رمضان، وهو فعلا خير من يخاطب الغرب ويتحدث عن الإسلام.
وهو أيضا تربطه بالفتاتين وحدة العقيدة والمذهب والمنهج
الفكري ويحق له أن يدلي بدلوه في هذا المجال. أما الناقد
الفني في معرض الفن والسلام فلم تكن هنالك أي روابط في
المذهب أو العقيدة مشتركة بيني وبينه حين أفادني بملاحظته
أنني مع الأسف صاحبة لباس كثير.
بشكل عام ومما تقدم يبدو أن قضية لباس المرأة ستبقى قضية
الرجل ، تكون فيها المرأة متهمة بحضور الرجل إما مهاجم
واما مدافع.
لقد ساوى الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بين الرجل
والمرأة في أكثر من آية في سورة النساء مثلا آية:<< للرجال
نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن>> وفي سورة
النحل آية 97 << من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهومؤمن
فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون>>
وانطلاقا من قضية المساواة المفروضة في الشريعة الإسلامية
أقول: ماذا مثلا لو وقفت إحدى الفنانات في لجنة تحكيم أمام
لوحة لفنان وقالت له:
- لوحتك جميلة (بس) ربطة العنق التي ترتديها أعرض مما
ينبغي!.
- ماذا لو استضافت إحدى محطات التلفزة-
سيدات عالمات في حضور بعض المهتمين من الرجال وتأتي إحداهن
تشجب والأخرى تؤيد: ليس البنطال(السروال) أو إعفاء اللحية
أو ارتداء ربطة عنق، أواعتمار طاقية!
هل قضية لباس المرأة قد تجاوز فيها الرجل مثلا الناقد
الفني في معرض الفن والسلام- تجاوز حدوده المسموحة أدبيا
واجتماعيا وأخلاقيا ودينيا ومهنيا؟؟ أم أن المرأة قد غابت
عن مسرح الأحداث وأصبحت سلبية متلقية بشكل عام؟؟ عندما
أعلن الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب بشجاعته وصراحته
المعهودة:" أصابت إمرأة وأخطأ عمر" فإنه كان يعلن انطلاقة
مسيرة للمرأة- دون تحديد لإسمها وهويتها - كي تعبر عن
رأيها وتأخذ حجمها كاملا في ساحة الحدث إنه كان يؤيد
المرأة الإيجابية الفاعلة المؤثرة في المجتمع.
هل تخلت المرأة عن دورها في ذلك سواء
كانت محجبة أم غير محجبة؟؟ إذن لماذا يفترض العالم بأسره
اليوم أن المرأة المحجبة وحدها تخفي تحت غطاء رأسها جمجمة
فارغة؟؟. الأمثلة كثيرة: إن ابنتي خلال أعوامها الدراسية
الثلاثة في الجامعة كانت في كل مرة تبدي رأيا صائبا، أو
تطرح سؤالا هاما أو تدلي بطرفة ذكية فإن أعناق الطلبة
والطالبات مسلمين وغير مسلمين سوف تشرئب عجبا : أمحجبة
وتستطيع الكلام؟؟!!
عندما كانت تشارك أحيانا في بطولات التنس، كانت العيون
تلاحقها مستهجنة إذا كنت تملكين مثل هذه المهارات لماذا
تحتفظين بحجابك؟ إما حجاب وإما مهارات! أحيانا وبرأي البعض
لا يخفي الحجاب جمجمة فارغة فقط، بل إنه يتزامن مع تفريغ
الجمجمة من محتوياتها، هذا ما حصل معي في اليوم الأول
لارتدائي الحجاب، قابلت إحدى الصديقات وما لبثت أن صاحت
وكلها لوعة وأسى: نادية! ماذا حصل لك؟ أين عطاؤك الفني و
الفكري؟ يا أسفاه! لقد تخلفت وعدت إلى الوراء آلاف السنوات
! قضية أخرى، لابد من الإعتراف بأن الكثير من المنظمات
الإسلامية لاتعطي دورا قياديا للمرأة حتى وإن كانت تملك
الجدارة والكفاءة العلمية التي تؤهلها لذلك بل إن الفتاة
لا تجرؤ على ترشيح نفسها لذلك وستكتفي حتما بمركز سكرتيرة
على أكثر تقدير، إن لم ترض بالمساعدة فقط في أمور تنظيم
الحفلات وإعداد الموائد و المساعدة في أعمال الطبخ. وإن
كانت تحضر لرسالة الدكتوراه في القانون أو العلوم السياسية.
ألم تكن السيدة عائشة رئيسة لأعظم مدرسة في التاريخ
الإسلامي؟ بعد انتقال الرسول (ص) ألم تعلم الكثير من
الرجال و النساء على حد سواء الفقه وعلوم الشريعة؟؟ألم
تنقل الكثير من أحاديث الرسول؟.
رغم أنني قد ألفت كتابا عن الحجاب يحكي تجربتي بين
المعارضة و التأييد إلا أن الكلمة الاستدراكية (بس) سوف
تلاحق كل محاولة تجعلني أبدي رأيي في قضية أنا المعنية بها
وليس الرجل- قضية لباس المرأة المسلمة- وسوف تعرقل أيضا
الكثير من المساعي لتطبيق الشريعة الإسلامية كما أرادها
الله عز وجل والسلف الصالح. وكذلك سوف تحبط كل فرصة للعيش
في عالم لا يحمل تناقضا بين حرية زائفة، وديكتاتورية تفقده
كل معنى من معاني الفن و السلام.
|