|
فنانة
والأديبة نادية سلطان لـ"صدى المشرق" :الفنان يمكن أن يؤدي
رسالة تخدم قضية
هي ابنة رائد القصة القصيرة في سورية الأديب علي سلطان
(1987.1911) الحائز على ماجستير في الأدب العربي من جامعة
فؤاد الأول في القاهرة وتلميذ طه حسين وأمين الخولي وسواهم
من أعمدة الأدب العربي، وهي مهندسة معمارية درست في جامعة
حلب. بعد قدومها إلى كندا حصلت على جائزة يوم كندا من قبل
الإسلاميين التقدميين لعطائها الأدبي والفني والتعليمي عام
2000 كما حصلت على جائزة الصحافة الإثنية عام 2002.
التقيناها على هامش معرض الفنانين التشكيليين العرب في
مونتريال وكان الحوار التالي:
* متى بدأت رحلتك الفنية؟
دخلت عام الألوان في سني الطفولة الأولى وحتى قبل أن أدخل
عالم الأبجدية فأتعلم كتابة الحروف والكلمات . كنت أقوم
برسم فراشات وزهور ملونة- على كل ما تقع عليه يداي من
أوراق مهملة في المنزل هنا وهناك. لم تتبلور موهبتي الفنية
خلال دراستي الجامعية ربما لضيق وقتي آنذاك حتى عام 1992
إذ قدمت أول معرض فردي لي كان تحت عنوان حلب هبة الله .
أعتبر أن هذا المعرض كان تسجيلا وثائقيا لعطاء هذه المدينة
فرسمت أشجار الفستق الحلبي والرمان والزيتون وصوَّرت أسواق
حلب القديمة وما تزدان به من بضائع شهيرة مثل صابون الغار
والزعتر الحلبي والحلي الذهبية والفضية.
* كيف تعرّفين الفن؟
الفن هو المقدرة على الخلق والإبداع في أي مجال من مجالات
الحياة من أجل بناء إنسان أفضل وتحقيق حياة أجمل. فالإنسان
يمكن أن يكون فنانا ليس فقط عندما يرسم لوحة أو يلحن قطعة
موسيقية، الطبيب قد يكون فنانا أثناء تعامله مع مرضاه،
والفلاح قد يكون فنانا وهو يزرع أرضه، والزعيم يجب أن يكون
فنانا كي يستنبط قدارات شعبه وينميها. وأنا أؤكد أن الفن
التزام يسخّر لخدمة الإنسان وسعادته، وإلا فقد يكون التفنن
في تعذيب السجناء نوعا من الفنون إذا أسقطنا شرط الإلتزام!!
* لمن ترسمين لوحاتك ؟
إذا كنت أفترض أن معظم الناس يمكن أن يكونوا مبدعين أثناء
أدائهم لعملهم، فالأحرى أن يكون الفن والإبداع متاحا
للجميع. بتعبير آخر بسيط أنا لا أتفق مع فن لا يفهمه سوى
نخبة من الفنانين. أعتقد أن الفن يجب أن يكون خبزا على
موائدنا، بل ماءا في أقداحنا الكل يستطيع أن ينهل منه.
أنا أسعى أن أقدم فنا يمسّ أحاسيس جميع البشر حتى أبسطهم
ثقافة ومعرفة بالرسم. أتمنى أن أقدم فنا يعزف على كل
الأوتار،
ويحرك كل المشاعر ليؤدي الرسالة التي أنشدها وهي خدمة
الإنسان ومساعدته على العيش بشكل أفضل. وبالصدفة فإن
مقالتي في هذا العدد تؤكد على أنني أعتني دائما بالمنسيين
من الناس بل كل المخلوقات. أحب أن أشعرهم أنني أتذكرهم في
أعمالي. أحب أن أهتم بالمتوحدين لأنقل لهم رسالة أنهم
ليسوا وحيدين أبدا، إنني منهم أترجم آلامهم وأمسح جراحهم .
بشكل عام لا يهمني أن أسجل لحظات الانتصار، فالمنتصر هنالك
الكثيرون حوله يهللون له. أحب أن أنتصر للضعفاء ولا أحبذ
أن أكون فردا في القطيع .
يتهم الدين من حين لآخر بالوقوف في وجه الإبداع والفن،
كفنانة ملتزمة هل تعتقدين أن هنالك تعارضا بين الفن والدين؟
ما أكثر الاتهامات الموجهة للدين، والإسلام بريء منها.
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز<< ما فرطنا في الكتاب من
شيء>> هذه الآية تعني الشمولية المطلقة في الدين الإسلامي،
لأن الإسلام دين يغطي فطرة الإنسان بكل إبداعاته وإمكاناته
وأهوائه ورغباته، وهذا يعني أن كل إنسان يمكن أن يدخل عالم
القرآن العظيم بأدواته وسيجد نفسه حتما: الفلكي - الأديب-
الطبيب – الفنان ...إلخ.
وقد أوضحت هذا في كتابي (التصوير بالكلمات) فشرحت هذه
الآيات التي فيها تصوير كاريكاتيري آخر، والآيات التي فيها
تصوير دقيق للوجوه والملامح البورتريه..والآيات الطبية...إلخ.
والحقيقة أنني لطالما ساءلت نفسي ترى لماذا أبدع الله – من
أسمائه الحسنى البديع- زرقة البحر، وخضرة المرج، لماذا سكب
الذهب في لون السنابل، والأرجوان في غسق السماء، لولا أن
الله عز وجل يعرف أن من عباده من يتلقى هذا الجمال ويعكسه
للآخرين في لوحات فنية؟ فيسجل سحر القمر،ورحلة الغسق،
ويرسم قفزة الموجة، ورقصة الفراشة، واتكاءة الفنن. الله
سبحانه قد خلق آيات الجمال في الكون لأنه قد خلق أناسا
يتذوقون الجمال ويحسونه ويترجمونه فنا للآخرين .
* كفنانة هل تعتقدين أن للفنان دورا يمكن أن يلعبه لخدمة
قضايا جاليته وماهو؟.
أنا أؤمن أن الفن رسالة ولا أؤمن بنظرية الفن للفن البتة.
وهكذا الفنان يمكن أن يؤدي رسالة تخدم قضية وطنه الأم وألا
ينسى جذوره، ولكنه هنا يملك حرية أكثر والحرية هي قوام
الإبداع وجوهره إضافة إلى أن الغربة سوف تشعره بإنتماء
ومسؤولية أكبر وبالتالي يصبح عطاؤه موظفا لخدمة جاليته
وتعزيز أواصر الترابط بين أفرادها بغض النظر عن اختلاف
الدين والمذهب.
* إلى جانب كونك فنانة أنت أديبة هل يمكن أن تحدثينا عن
العلاقة بين الفن والأدب؟
درس تعلمته من والدي رحمه الله أن أترك في الدنيا أجمل مما
أخذت منها وإنني إذ ورثت عن أبي عشق اللغة العربية وتذوقها
إضافة إلى موهبة الرسم فإنني أسعى أن أكون الخليفة التي
أرادها الله بكل ما
أملك من قدرات فنية وأدبية.<<وإذ قال ربك للملائكة إني
جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك
الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون>><<
وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني
بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين>> البقرة30-31. صحيح أن
الإنسان مافتئ يقتل ويسفك الدماء في شتى بقاع الأرض ولكن
أي خير سيبقى على الأرض إن لم نصمد، نبني ونعمل كي نكون
الخليفة التي أرادها الله. لقد شاركت منذ أيام في المسابقة
الفنية "الفن والسلام" وكلّي أسى وشعب فلسطين والعراق يذبح
بطريقة رخيصة ووضيعة، ولكن وضعت نصب عيني قول رسول الله
محمد (ص): إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة(نبتة)
فليزرعها.
* هل لديك كلمة أخيرة؟
يقول أحد الفلاسفة :"ليست الحقيقة التي تجعل الإنسان عظيما
ولكن الإنسان يضفي على الحقيقة عظمتها". عندما جئت إلى
كندا أنا وأولادي رامي-عليا- سلمى- قلت لهم إننا عرب وإننا
مسلمون، هذه حقيقة ولكن الوسيلة الوحيدة لجعلها حقيقة
عظيمة هي أن نتفوق ونبدع في كل المجالات التي سنتواجد فيها
وأهمها التعليم،وهذا ما حققته فعلا والحمدلله عندما ذهبت
في أول العام الدراسي لتسجيل ابنتي الصغرى سلمى قابلني
مستر"ح" الذي كتبت عنه مقالتين فيما مضى موجودتين في موقعي
على الإنترنيت، والمستر"ح" هو أستاذ يهودي يدرّس مادة
الاقتصاد في المدرسة. قابلني في الممر، انحنى احتراما وهو
يقول: سيدة نادية هل سيكون لمدرسة روزديل الثانوية شرف
استضافة ولد آخر من أولادك؟ فقد أمضت ابنتي الوسطى في
المدرسة عامين حصلت في آخرهما على منحة دراسية وأصبحت
رئيسة المدرسة. لقد أعطتني كندا حرية ووطن ، وأنا في
المقابل عليّ أن أشكر هذه البلاد ومن فيها. يقول الرسول
(ص) من لم يشكر الناس لم يشكر الله. وخير طريقة للشكر هي
أن أقدم لكندا مواطنين متفوقين يرفعون عاليا إسم وطنهم
الأم. وقد حصلت ابنتي عليا على منحة دراسية ثانية من جامعة
تورنتو وهي تتابع تحصيلها العلمي في جامعة لافال الآن.
إنها خير طريقة أشكر فيها كندا أولا وثانيا :كي أحقق
الغاية من خلق آدم وذريته في خلافة الأرض ورفع راية
العروبة والإسلام عاليا خفاقة في بلد الاغتراب.
|