|
كواك كواك
من سنحت له الفرصة وقام بزيارة موقعي على الإنترنت
www.nadiasultan.com يمكنه أن يشاهد لوحتي: الكرزة اليتيمة
والحجّار الحلبي.
رغم أن المادة المرسومة في كل لوحة تتفاوت وتختلف اختلافا
كاملا عن الأخرى إلا أن الرسالة المعنوية في كلتا اللوحتين
واحدة. فالأولى تمثل كرزة وحيدة نبنت على طرف جذع أبتر.
والثانية تصور الحجار الحلبي:هو البنّاء في مدينة حلب
السورية الذي يقوم بإبداع منشآت معمارية عظيمة، وزخارف
فنية بديعة بأدوات بدائية بسيطة، ثم يعود إلى كوخه
المتواضع آخر النهار راضيا بأجره المتواضع. ويتصدر اسم
المهندس المشرف على العمل المعماري بينما الفاعل
الحقيقي يبقى الجندي المجهول. رسالتي الفنية التي عبّرت
عنها في إحدى اللقاءات الصحفية،هي التقصي والتعاطف مع
المنسيين من البشر والأشياء، هذه الرسالة هي مؤازرة لمن
لديه عزيمة البقاء والقدرة على الصبر والتحدي. بعد أن
أصبحت مواطنة كندية دخلتْ لديّ في قائمة المنسيين مخلوقات
جديدة:هي أسراب الطيور الجائعة في أيام الشتاء التي تهبط
فيها درجات الحرارة إلى مادون الثلاثين وأحيانا مادون
الأربعين. جغرافية داري التي تقع على ضفاف بحيرة أونتاريو
قد جعلت أواصر الصداقة تتوطد بيني وبين أسراب البط التي
تمخر عباب البحيرة طوال أشهر الصيف سعيدة راضية بما تعثر
عليه من قوت. أما في أشهر الشتاء الطويلة – وماأدراك ما
شتاء كندا – وعندما تصبح البحيرة قطعة من الجليد الرمادي.
فإن أسراب البط تتجمع على الضفاف جائعة، منسية من أفواج
المارة الذين يتراكضون تحت سياط البرد دون أن يلقوا بالا
إلى هذه المخلوقات البائسة. وقد اعتدت على إطعام أسراب
البط، وكم أشعر بفرحة غامرة وأنا أرى هذه الطيورتتدافع
أمامي للحصول على نصيبها من فتات الخبز، وأحيانا تقفز
قفزات قصيرة فتنقر أصابعي بلطف وهي تلتهم الفتات بشراهة
وإستعجال. في ذات يوم شتوي، كانت الدنيا تبدو من نافذة
الشقة العالية،رمادية داكنة وكأن الجمود قد زحف ليس فقط
إلى البحيرة والأشجار بل الهواء والدنيا بأسرها وبدا
الشارع خاليا إلا من بعض المارة الذين يتحركون في مشيهم
ببطء في ملابسهم الثقيلة وكأنهم طيور بطريق أو دببة قطبية.
تذكرت أصدقائي البط ، وشعرت بالقلق لأنني كنت على يقين أنه
ما من أحد سوف يفطن إليهم في هذه الساعة من المساء. توجهت
إلى ابنتي في ضراعة أناشدها كي تذهب لإطعامهم، كانت قد أتت
لتوّها من المدرسة، تناولت طعام العشاء، ثم تراخت تحت غطاء
صوفي ثقيل حجب نصف وجهها، رمقتني باستهجان واستنكار. من
تحت أهدابها الناعسة،ولم تكلف نفسها عناء الرد. إذ مالبثت
أن جذبت الغطاء فوق رأسها وغطت في سبات عميق.
أصابتني الحيرة. لم يكن الليل قد حلّ تماما، ولكن الألوان
كانت قد فرت من الكون إلا من اللونين الأبيض والرمادي، لم
أر بدا من الذهاب ، هرعت إلى دولاب الملابس وتدثرت بما
يحتويه من أغطية،وضمادات، وأقنعة، وانطلقت إلى حيث أصدقائي
الجوعى. كان هنالك البعض منهم يسبح بتثاقل في القسم الذائب
من البحيرة والآخر يقف خامد الحركة على الشاطئ. بدأت بنثر
فتات الخبز، ولكن يا للمفاجأة لم يقترب مني أحد، بل إن
بعضهم قد تركني وقفز إلى البحيرة.
واظبت على نثر الفتات، ولكن دون جدوى فأصدقائي اليوم
مضربون عن الطعام. استغربت فعلا وتقدمت خطوات إلى أقصى ما
يمكن من حافة الناصية الخشبية للرصيف البحري، فوجدت عددا
من البطات قد نكست رؤوسها إلى الأسفل وانتصبت أغشيتها
عاليا في الهواء. عرفت سبب عزف أصدقائهم عن الطعام. كان
تعاطفا مع من لقي حتفه منهم.
بوغت حقا، بل شعرت بأسى حقيقي وكادت الدموع أن تندفع إلى
مقلتي،لولا أن قهرتها خشية أن يلحظني أحد من المارة، أو أن
أبدو سخيفة أمام ابنتي خاصة وأن أخبار المساء كانت مفعمة
بأخبار القتلى وأنهار الدماء التي تجري في فلسطين و
العراق،فوجدت أنه من البلاهة حقا أن أتحدث عن قصة البط.
ولكن شيئا في داخلي كان حزينا على مصيرهم المؤسف. في أصيل
اليوم التالي وبينما كنت عائدة إلى المنزل صادفت صديقتي
الكندية "جودي" حيتني بحرارة وسألتني معاتبة عن سبب
اختفائي طوال الأيام الفائتة رغم أننا جيران ولا تفصل شقتي
عن شقتها سوى بضعة أمتار. عرفت فورا أن "جودي" هي خير من
أفضي له بلواعج الأسى والحيرة عن سبب موت البطات. خاصة وأن
أواصر الود العميق تجمعني معها إذ طالما اعتنيت بها خلال
مرضها بعد أن أجرت عمليتين جراحتين صعبتين. توهج الشعاع
الأزرق من عينيها الوديعتين وقالت باهتمام: لابد أن ذلك قد
حصل بسبب أعمال الإصلاحات التي تتم على شاطئ البحيرة. وأن
البطات الضحايا قد التهمن شيئا من مخلفات هذه الأعمال مظنة
منها أنه طعام فأدى إلى حتفهن. سوف أخبر البلدية غدا بذلك.
اعتذرت جودي عن إكمال الحديث لارتباطها بموعد وانطلقت
لشأنها مسرعة. في الصباح التالي وبينما كنت في طريقي إلى
الخارج، وفتحت باب الشقة وإذا بكيس
يسقط أمامي كان معلقا على قبضة باب الشقة. استغربت، وفتحت
على عجل لأجد قلما في نهايته دمية على شكل بطة صفراء بهيجة
اللون. وكان هنالك كرت كتبت عليه العبارة التالية: أنت في
أفكاري:كواك كواك. التوقيع جودي ستيوارت لست أبالغ إن قلت
أنها من أجمل لحظات حياتي، فالمفاجأة كانت غير متوقعة وأتى
التجاوب مع مشاعري بطريقة لطيفة وراقية.
بعد أيام عرفت أن جودي قد أصبحت تقضي معظم أيامها في مزرعة
اشترتها تبعد عن تورنتو مسافة ساعتين . فلم اعد اصادفها .
التقيت بها منذ أيام. في المصعد كنت عائدة من السوق وأنا
أتأبط كمية لا بأس بها من الصحف العربية، كان لقاءا حميما،
دعوتها فيه لتناول فنجان من الشاي في شقتي. ففاجأتني
بالسؤال وهي تقضم قطعة من الحلوى:نادية أخبريني ماذا تكتب
الصحافة العربية؟؟. حدقت فيها لثوان معدودة كانت كافية كي
يمر في خاطري شريطا للمقالات الصحفية المفعمة بالأحقاد
والضغائن بين مختلف أفراد المذاهب والديانات،ومفردات
الشتائم والسباب التي يكيلها أفراد الجالية العربية لبعضهم
بعضا. وفجأة شعرت بخجل شديد من صديقتي الكندية جودي التي
لا تربطني بها رابطة تأريخ أو أرض أو لغة أو حضارة أن تهدي
لي حبا وعطفا في حين أن الصحافة العربية تتنافس في إطلاق
حمم البغضاء و الكراهية. أجبت ببطء: طبعا الصحف تتكلم عما
يحدث في فلسطين والعراق والسودان. بعد أن غادرتني جودي
نظرت إلى أكوام الصحف العربية التي أمامي،خيل إلي أنني
أنظر إلى ثروة كندا من أشجار وأوراق قد تحولت إلى أوان
تنفث السم الزعاف من الحقد والكره. عجبت أن يحمل الإنسان
في قلبه هذه المشاعر الفتاكة ويأتي بها إلى هذه البلاد
الجميلة،عجبت أن لا تعني حرية الصحافة لأفراد الجالية
العربية إلا بإطلاق سهام الفتنة، عجبت وأنا أتلو القرآن
الكريم أن يعبر الله عز وجل عن استنكاره بتعبير "لايحب"
فيقول الله في كتابه الكريم:
إن الله لا يحب المعتدين البقرة - 19 -
والله لا يحب الفساد البقرة - 205 -
والله لا يحب كل كفار أثيم البقرة - 276 -
فإن الله لا يحب الكافرين. آل عمران -32 -
والله لا يحب الظالمين آل عمران - 140 -
إن الله لا يحب الخائنين الأنفال - 58 -
إن الله لا يحب كل مختال فخور نقمان- 18 –
إلى آخر الآيات ... والتي أوردت بعضا منها على سبيل المثال
وليس على سبيل الحصر. وهذا يعني أن كلمة - لا- سوف ترفع
وتحذف إذا رفع الإعتداء أو الفساد أو الكفر أو الظلم أو
الخيانة أو الخيلاء والتكبر وتبقى كلمة الله "يحب". مرت
لفظة كره مرة واحدة لا غيرها في القرآن الكريم في سورة
التوبة عندما قال سبحانه وتعالى: << ولو أرادوا الخروج
لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا
مع القاعدين. لوخرجوا فيكم مازادوكم إلا خبالا ولأوضعوا
خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم
بالظالمين >> 46 – 47.
المرة الوحيدة التي عبّر فيها الله سبحانه وتعالى عن كرهه
لقوم كانت في وصفه للقوم الذين يبغون الفتنة لأن هنالك
أناسا سمّاعون لها. والفتنة هي شر عمل يقوم به المرء في
المجتمع لأنه يدمّر ويقوّض بناء الأمم ربما لأجيال وأزمان
وعصور<< فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل مما يكسبون>>
البقرة 79.
تساؤل أخير يقض مضجعي ترى هل كان سبب مصرع البطات
هوالتهامهن لمخلفات البناء كما توقعت "جودي" أم أن إحدى
الجرائد العربية قد سقطت مني سهوا في البحيرة؟ ويبقى السر
في ضمير الضحايا من البط...كواك.
|