|
أعترافات تلميذة
أيام قليلة و يطل عام دراسي جديد، ويعود الطلبة إلى مقاعد
الدرس وأنا واحدة منهم ! إذ أنني في العام الفائت انتسبت إلى
جورج بروان لدراسة ال غرافيك "الرسم بالكومبيوتر" عسى أن أتحرر
من عقدة الكراهية التي أكنها ل سيد العصر وزعيم الآلة الحديثة
دون منازع" السيد كومبيوتر "
و مع هذا الاعتراف أعلن بأنني إنسانة تحترم دفء المشاعر وتقدس
حرارة الكلمة وجمال النظرة وحميمية اللقاء الإنساني، وأين هذا
كله من صديق الإنسان اليوم"الكومبيوتر".
والآن ومع عودتي إلى مقعد الدراسة تطل على ذاكرتي رحلتي إلى
الحج في أوائل هذا العام. فقد استطعت الحصول على إجازة من
المعهد ثم يممت شطر الأراضي المقدسة لتكون هي رحلتي الثانية
إلى أم القرى هدية لا أملك شيئا أفضل منها أقدمها لروح والدي
رحمه الله.
و بانقضاء أسبوعين وأسبوع آخر لزمت فيه الفراش لاستعادة قواي
المنهكة عدت إلى المعهد ، طالعتني مدرّسة مادة تاريخ الفن مسز
إنفلاند في ممر المعهد وهتفت بحرارة وهي تضمني بقوة :
" نادية لا أستطيع الانتظار حتى تحدثيني عن رحلتك إلى مكة "
وفعلا بعد أيام وقبل انتهاء الحصة بخمسة عشر دقيقة أعلنت مسيز
إنفلاند لزميلاتي وزملائي من الطلبة :" اليوم سوف تحدثنا نادية
عن رحلتها إلى مكة " ثم تابعت مغادرة موقعها " نادية هل
باستطاعتك أن تأتي إلى هنا كي تحكي لنا عن تفاصيل رحلتك " ؟
انقضت بضع ثوان قبل أن أنهض من مكاني ، وأنا أختلس النظر إلى
الحضور الذي كان من المفترض أن أحدثهم عن رحلة الحج.. الحضور
ذوو الشعور الملونة بالبرتقالي والأزرق والأخضر ، والسواعد
الموشومة ، و الأنوف والآذان المثقلة بالأقراط .
أعترف أن شعورا بالرهبة قد داهمني ، ثم ضحكت في سري وأنا
أسيرإلى مقدمة الصف وأساءل نفسي : ترى ماذا تستطيع الحاجة
نادية أن تحدث هؤلاء الفتية والفتيات ؟ لقد عملت ولازلت
في حقل التدريس الإسلامي ، و قدمت محاضرات إسلامية هنا وهناك
ولكن الأمر الآن مختلف تماما مع هؤلاء الحضور ..
عندما و قفت أمامهم كان هنالك وفي المقعد الأول صبية صغيرة
تمضغ لبانا كبيرا يملأ فيها، وتستد قدميها عاليا على الطاولة
أمامها . تمتمت في سري : أدع ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ...
وبدأت :
حسنا لعلكم تعرفون من لباسي أنني إنسانة مسلمة، والإسلام هو
رسالة من الله إلى البشرية جمعاء تمت وأكملت بواسطة نبي اسمه
محمد (ص) ولكن الطريف في الأمر أن رحلة الحج التي قمت بها لا
علاقة لها البتة بالنبي محمد الذي هو نبي الإسلام !! بل إنها
رحلة بكل طقوسها وشعائرها منقولة عن أفعال قام بها النبي
إبراهيم الذي هو أبو الأنبياء موسى وعيسى انتهاءا بـمحمد .
أولا : فالكعبة التي يطوف حولها المسلمون عند دخولهم مكة قد
بنيت من قبل إبراهيم وهي أول بيت بني لعبادة الله على وجه
الأرض .
إن الإسلام دين يعتمد على الإيمان بالغيبيات دون الاستناد إلى
صورة أو تمثال أو أي شيء مادي ملموس والكعبة هي الشيء المادي
الوحيد في حياة المسلم وهي بناء بسيط بل أبسط بناء ممكن أن
يتصوره إنسان ، فهي عبارة عن مكعب خال من النقوش والزخاريف
والصور ، وعملية الطواف حول هذا البناء هي تجسيد مادي لمركزية
التفكير في الواحد وهو الله ، وهي بالتالي ترجمة فيزيائية لحال
من التفكير الدائم للمسلم في وحدانية الله دون شريك : لا والد
ولا ولد .
ثانيا: في الحج يعيش الإنسان حالة إحرام وهي حالة من السلام و
الإستسلام يلتزم فيها الحاج بعدم إيذاء ما حوله من بشر أو
حيوانات وحتى أصغر الحشرات …
وكذلك مع نفسه ، يجب أن يكون الإنسان رحيماً لطيفا مع نفسه
فإذا حدث وحك جلده فهو ملزم أن
يدفع غرامة لتفريطه في حال اللطف و السلام التي ينبغي عليه
معايشتها .
ثالثا: من ضمن شعائر الحج أن يقوم المسلم بالسعي بين جبلي الصفاء
والمروة وفي هذا اقتداء بزوجة إبراهيم التي كانت تبحث عن الماء
لابنها إسماعيل. ومن الطريف في الأمر أن الإسلام يُتَّهم اليوم
باضطهاد المرأة بالرغم من أن ملايين المسلمين في شتى أصقاع الأرض
وعلى مر الأزمان والعصور إنما يتبعون سنة امرأة هي هاجر زوجة
إبراهيم . ولعملية السعي هذه إسقاط رائع على حياة المسلم اليومية
ودرس حي لمن يريد الحصول على النجاح و تحقيق الهدف في الحياة .
الإسلام يقول له عليك بالسعي أولا والمثابرة ثانيا ، فزوجة
إبراهيم رغم يقينها بأن الله سيمدها بالفرج لأنها زوجة نبي ،
وابنها نبي إلا أنها لم تصل وتبتهل إلى الله كي يمطر عليها
الرحمة من السماء ، بل سعت تبحث عن الماء ، وهي لم تسع مرة واحدة
أو مرتين أو حتى ثلاث بل سبع مرات ، لأن الإسلام دين عمل واجتهاد.
رابعا: يجتمع الحجاج من المسلمين وهم بضعة ملايين في كل عام في
مكان واحد وعلى صعيد واحد اسمه عرفات لا يستطيع أحد أن يميز فيهم
بين فقير وغني أو حاكم ومحكوم ، أو بين ملك وعبيد ، لأنهم يرتدون
جميعا ذات الزي قطعة قماش بيضاء غير مخيطة .
وهكذا يضيع الكل في الزحام ، وتلغى الأنساب والأعراق والمناصب و
يتلاشى عرش الملك و يتداعى كرسي الحاكم ويبرز الناس سواسية أمام
فكرة تمجيد الواحد .
وأخيرا : لعلكم تجدون في رحلتي إلى مكة ما يثير اهتمام أهل
الكتاب منكم ، فالاقتداء بأعمال إبراهيم وزوجه في الحج – الركن
الخامس للإسلام – هو برهان لأهل الديانات السماوية من يهود
ونصارى ، أن الإسلام دين يحتضن الديانات جميعا لأنه آخرها
وأشملها وهو ليس دينا محمديا بل هو دين التركيز والتسليم لله
الواحد ابتداءا بآدم مارا بإبراهيم ونوح وموسى وعيسى وانتهاءا
بمحمد( ص).
أما بالنسبة للزملاء من الطائفة البوذية فلعلكم تجدون أن في حالة
الإحرام ما يثير اهتمامكم وهي الالتزام الأقصى بالسلام مع الذات
و مع البشر بل مع كل دواب الأرض.
أخيرا دعوني أقول كلمة لكم جميعا لمن يلتزم أو لا يلتزم بأي مذهب
أو عقيدة أو دين سوف أقدم لكم إسقاطا عصريا على الدين الإسلامي :
لعلنا نجد اليوم أن الاكتئاب هو مرض العصر، إنه الضريبة التي
يدفعها الناس على اختلاف أعمارهم نتيجة العيش في مجتمع مادي يلهث
نحو النجاح ويتصارع من أجل البقاء وكعلاج لهذا الاكتئاب برزت "
اليوغا" كسبيل فعال للعلاج ، واليوغا في حد ذاتها رياضة روحية
تعتمد في جوهرها على التركيز على الواحد .
و لكن مما تقدم قلت وشرحت لكم أن جوهر الإسلام وملخصه هو التوحيد
، و بمعنى آخر التركيز والتسليم الروحي والعقلي للواحد الله الذي
لا شريك له لا والد ولاولد إنها يوغا بمفهوم العصر للهروب من
ضغوط الحياة و النجاة من متاعبها. ولكنها في لغة المسلم إيمان
يحصد فيه السلام والصفاء و السعادة في الدنيا ويفوز فيها بالآخرة
والحياة بعد الموت التي هي من جوهر الإيمان في الدين الإسلامي
ولذلك فإن رأينا الناس يتهافتون على دروس اليوغا ، فلا عجب إن
رأينا المسلمين يشدون رحالهم إلى الحج - كحالي أنا -كي يعيشوا
حال التركيز في الواحد الأحد سواء في طوافهم أو دعائهم أو
عبادتهم . ويعودوا جسدا وروحا كمن ولدته أمه الساعة. توقفت عملية
مضغ اللبان بين فكي الصبية الصغيرة ، اعتدلت في مجلسها ، واكتسى
وجهها فجأة بطابع الاهتمام . ابتسم الطلبة البوذيون من العرق
الأصفر ونظر بعضهم إلى بعض في حيرة وتأثر ، تململ الطالب اليهودي
الوحيد في ركنه القصي
ثم تقدم مني فتى في عمر ابني ، وقال لي وهو يتلعثم بالفص الفضي
الذي يزين لسانه سألني بأدب وود مادّاً لي يدا مدججة الأصابع
بخواتم ثقيلة : " نادية هل أستطيع أن أحصل على ملخص عن هذه
الرحلة ؟"
|