النباء
عمليات غسيل الدماغ التي تجرى في مراكز الإعلام الأمريكية تعتمد على إستخدام بضع عبارات و من ثم تكرارها عشرات أو مئات المرات, حتى تعشش في ذاكرة الإنسان و ترسخ في عقله. فالإنسان الأمريكي لا يهمه من الصحف إلا عناوينها, و هو يرشف على عجل كوب قهوته مسرعا إلى عمله كل صباح. أما مساءا و عندما يسترخي أمام جهاز التلفاز فهو لا يكترث إلا لأخبار العملات و الStocks . ومن ثم ما تلتقطه أذناه من عبارات و مفردات مكررة و هو يضغط على أزرار جهاز التحكم متنقلا من قناة إلى أخرى.
على سبيل المثال: قبل غزو العراق كانت العبارات المرددة هي: أسلحة الدمار الشامل - حملات تفتيش - عراق.
إختفت هذه العبارات فجأة بعد اجتياح العراق, و ما هي إلا بضعة أيام حتى طفت على سطح المستنقع الإعلامي أخبار الأفراح و الليالي الملاح التي يرفل في حللها الشعب العراقي بعد سقوط حكم الغول ذو الذقن الزرقاء. و تتالت الأيام السعيدة و الليالي الحميدة و الكل كان يتراقص على أنقاض تماثيل الغول المندحر, و هكذا بقي القوم سكارى في نشوة الفرح و النصر, حتى أنهم نسوا المهمة الأصلية التي أتوا لأجلها ألا و هي البحث على أسلحة الدمار الشامل التي تهدد مصير البشرية جمعاء.
اليوم بزغت على سطح المستنقع الإعلامي مفردتان فقط (سنة و شيعة) و يبدو أن الآمال في الخطة الأمريكية عريضة من أجل تقسيم المنطقة إلى سنة و شيعة و أكراد. ثم تنسحب القوات الأمريكية إلى حيث الغنائم: نفط, أما الجنود الأمريكيون فسوف ينصرفون إلى "قرقشة" البوب كورن و شرب الكولا. و هم يتفرجون على مسلسل سيوف المسلمين تشهر في وجه بعضهم البعض كما حصل في الماضي عندما إرتفع السيفان الإيراني - العراقي و كلاهما مسلم ووضعت أمريكا ثمن السيوف المباعة في قعر جيبها.
ترى هل ستنطلى على المسلمين سنة - شيعة. أكراد هذه اللعبة الغوغائية لغسيل الدماغ. أم سيكونون من الوعي و الفطنة بأن يدركوا أنهم جميعا عراقيون و أن حب الوطن و الأرض هو الذي سيجمعهم لطرد العدو من ديارهم لأن حب الوطن من الإيمان. و ألا يرفع المسلمين السيف على بعضهما عملا بحديث الرسول (ص) "ما رفع مسلم على مسلم سيفه إلا كان القاتل و المقتول في النار."
إن السيمفونية الخالدة - رغم ملابساتها الخفية 9/11 ستعزف في كل مرة كإفتتاحية للمستر بوش و هو يقوم بوصلته الإستعراضية في مكافحة "الإرهاب" - الذي هو أيضا مفردة مكررة - و قد أخذ مستر بوش على عاتقه عبء تنظيم حياة الإنسان في الشرق الأوسط و كأنه ورث الأرض - رغم ما يفصله عنها من بحور و جبال - و كأنه ورثها عن أجداده. فمنذ أيام مثلا أعطى أوامره بإستبعاد الفلسطينيين و إعطاء اراضيهم لإسرائيل. و بعد أيام سيقوم بعرض مسرحي مع الملقن المسرحي - بلير - في حل مشاكل الإنسان العراقي, و الله وحده يعلم إذا كان في أوقات فراغه سيقوم بدراسة قضية الإنسان السوري إستعداد لمسرحية جديدة تعزف في مقدمتها السيمفونية الخالدة 9/11 تبريرا لكل عمل إرهابي يقوم به السيد بوش في منطقة الشرق الأوسط.
لقد تتالت العروض منذ عهد بوش السلف و حتى الخلف و إلى أجل مجهول و لكن كل المواضيع ستناول حتما مشاكل الإنسان في الشرق الأوسط التي تقضي دائما مضجع الرئاسة الأمريكية و تجعلها تتصرف و كأنها رب المنطقة دون رادع من ضمير أو أخلاق.
في أفغانستان أيضا هنالك مشاكل تتطلب من المستر بوش "المشغول جدا" حلها. و قد قدم كل جزء منها بإزالة حكم طالبان و لن تحل باقي المشاكل في المنطقة إلا بشفط كل النفط من بحر قزوين, و الحقيقة أن الرئاسة الأمريكية لن تنام قريرة العين و تعلن أنه ليس هنالك من مشاكل في الشرق الأوسط و ليس هناك "إرهاب" إلا و هي تبتلع آخر قطرة من نفط المنطقة. عندها سيتبقى مشكلة وحيدة تتأزم كل حين و تتفاقم إلا وهي أرضاء عيون أرييل شارون النجلاء و لكن حلها غير عسير إذ أن سفك دماء مئات من الأطفال الفلسطينيين كل حين كفيل بإخماد المشكلة.
إن عملية النهل من مستنقع التلفزة الأمريكية عملية تتطلب ضبط النفس خاصة و عندما يستمع المرء إلى أنباء كاذبة أو مشوهة أم ممسوخة, و المصيبة الأدهى عند إستضافة أنصاف مثقفين عرب أو مسلمين يدافعون عن حقوقهم بمعلومات ضحلة و آراء لا تسمن و لا تغني من جوع, و يبقى النبأ خاضعا لعملية التشويه, و من ثم تكرير مفردات خاصة لأجل غسيل الدماغ. لقد وصف الشاعر أبو تمام صدق النبأ ذات يوم بقوله: السيف أصدق أنباءا من الكتب في حده الحد بين الجد و اللعب و لكني لا أعتقد أنني أتفق و شاعرنا الكبير لأنني أؤمن بقوة أن الكتاب هو أصدق نبأ من السيف. ألم يقسم الله عز و جل في كتابه العزيز بالقلم "ن و القلم و ما يسطرون"؟
ألم تكن أول كلمة من القرآن أوحيت إلى الرسول محمد (ص) هي "أقرأ". إن االله سبحانه و تعالى لم يقسم بالسيف لأن الإسلام هو دين علم و عمل و بناء. إننا نريد جيلا مثقفا واعيا على شاشات التلفزة و في ساحات الصحافة و في كل الميادين العلمية و الطبية و الرياضية و الثقافية. لا نريد إسلاما متقوقعا في ساحات إسلامية: بل نريد أسماءا مسلمة ناحجة متفوقة تسطع في سماء الغرب فهي وحدها التي ستحمل صدق النبأ. نريد أسماءا مثل طارق رمضان و جمال بدوي و منى مزيغ.
و أقول أيضا لشاعرنا الكبير أبي تمام هنالك أشياء أخرى أصدق من السيف. و أنا أؤمن أيضا أن المال أصدق أنباءا من الكتاب و من السيف معا, إن المال المتدفق من الدول الإسلامية الغنية التي تملك النفط هو الذي بإستطاعته أن يقوم إعوجاج الكلمة الإعلامية و تأثيرها علىالرأي العالمي و لكن عندما تصرف الأموال لتصريف سلع دور الأزياء الأوروبية التي تشهر بعداءها السافر للإسلام و العرب على حد سواء. وعندما تصرف الأموال لترويج بضائع شركات السجاير و التجميل و سائر الشركات التي تمول إسرائيل و تدعمها, فإن النبأ سيظل مفتوحا لأن تصرفات المسلمين و العرب تتناقض و مصالحهم عندما يغرف أموال المسلمين من أجل قتلهم و قتل أولادهم.
و هكذا ستبقى الساحة خالية إلا من مفردات تطفو بين حين و آخر كي تعبث بوضاعة في وجه الحقيقة. |