كن جميلاً
عالم الآلوان عالم بهيج. لا يدرك بهجته إلا من عايشه, فأبصره و تلمسه و تذوقه.
إنه عالم لا نهائي, يجدد الحياة و ينعش الروح, و يصقل الوجدان.
عالم دخلته, و أنا ما أزال طفلة تتعثر في أبجدية الحروف. كنت إذا دخلته أوصدت من دوني كل الأبواب, و غدت الدنيا أمامي ورقة و لونا, تجمع بينهما ريشة, تسكب اللون على الورقة, فتغرد الطيور, وتبتسم الزهور و تحكي البحور و المروج و الحقول قصصا سمعها رواد معارضي, حفظها بعضهم في بيوتهم, و غابت عن عيون بعضهم الآخر و عن أذهانهم حتى غدت صوتا واهنا في أنشودة الذكريات.
كنت دائمة التجول بين الفيافي و الوهاد, بين القرى و الجبال, أفتش عن مواضيع شتى: بائع منسي, زهرة فواحة, شجرة باسقة مقعد مهجور. تلمست طريقا في السوق القديمة, فهتفت دكاكينه المتهتكة تناديني. سهرت طويلا, و القمر يتأملني دهشاً من طول الصبر و السهاد.
سلكت دروبا مدهمة إلى حقول الرمان و كروم العنب و الزيتون. تفيأت أشجار التين, و الجوز, والفستق الحلبي, و القراصية. غدوت بأنطاري وراء موج البحر, يعلو و يتكسر .. ويلهث وراء رمل الشاطىء.
هرعت إلى المراعي, أقتفي أثر القطعان و الرعاة.....
أمعنت النظر في بيت جفاه أصحابه منذ زمن.....
حدقت في شارع معتم, خيمته ظلال كثيفة.....
تقربت زهور الربيع الطلق المحيا, و ورود المزهرية المطمئنة السمات...
شققت دربا بين صفوف عباد الشمس, الضاحكة بشرا و حبورا...
ثم, من بعد ذلك, عدت...
عدت لآسكب اللون فتشرب منه عيون الآخرين...
كنت أرجع خائرة القوى, ليس من التجوال.. و لكن لأن كتاب الكون كان أكبر من أن أستطيع قراءته, فكيف لي أن أدونه شكلاً, و ظلاً, و لوناً؟
و مرت السنون...
و إذا أنا أرى الكون كله في كتاب الله...
رأيت الكون كله, حاضره, و أمسه, بعيده و قريبه, سماءه و أرضه, شرقه و غربه, ظله و شمسه, نجمه و قمره, يومه و غده..
و ذهلت...
كم من مرة قرأت كتاب الله, و أعدت قراءته دون أن ألحظ ذلك.
مفتاح الجمال عثرت عليه ذات يوم في كتاب الله... آية تصف الظل غاية في الدقة و الروعة:
(ألم تر إلى ربك كيف مد الظل و لو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) الفرقان 46
عندما قرأت هذه الأية ذات يوم بتمعن - على الرغم من قراءتي للقرآن مرات عديدة دون أن أفطن إليها - عندما قرأتها إستوقفتني ساعات طويلة, و بقيت أتلوها المرة تلو الأخرى, و أتعمق أبعادها, و أتفيَأ ظلالها, و أعيش في رحابها, فأستشف نداوة و إرتياحا و سلاما, و ما أحسبني قادرة على مبارحتها.
كنت أشعر فعلا أنني في نعيم, لقد منحت لي هذه الآية إطلالة فسيحة على دنيا الجمال في السياق القرآني, كنت أشعر و أنا أتلوها أنها طويلة - رغم ألفاظها التي لا تتجاوز العشرين - و ممتدة, و يبدو الظل فيها و كأنه ظلمة خفيفة تلقيها الأجرام, حينما تحجب أشعة الشمس فتتغير أوضاعه, و امتدادته, و أشكاله, و الشمس تدل عليه بضوئها و حرارتها, و تميز ساحته و امتداداته, و ارتداده و تتراءى لي الظلال, و الشمس مائلة للمغيب, و هي تطول و تمتد فيشيع ذلك في النفس نداوة و ارتياحا, كما يثير فيها يقظة لطيفة, وفجأة تفر الظلال في لحظة, و يتهاوى قرص الشمس منهمكا مكدودا, فيلقي بنفسه في أحضان الظل, ظل العتمة و الليل... إنه القبض.
<< ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا >>
و الظل يعد في مجال الرسم و التصوير العنصر الأساسي لإبداع أية لوحة فنية و لولاه لكان التكوين الفني مجرد خطوط جوفاء لا معنى لها و لا تعبير.
و الظل يعد في مجال الرسم و التصوير العنصر الأساسي لإبداع أية لوحة فينة و لولاه لكان التكوين الفني مجرد خطوط جوفاء لا معنى لها و لا تعبير.
عندما عثرت على هذه الآية في رحاب القرآن تحررت من فكرة كانت تسيطر عليَ في سني اليفاع الأولى : أن الدين سيكبل عطائي الفني و اكتشفت أن العكس هو الصحيح تماماً , و رأيت أن التأمل في صنع الله و آياته في الكون هو ذاته : السيبل الذي يجب أن يسلكه الفنان من أجل أن يبدع و أن يسجل إبداعه في أية لوحة فنية . إذن التأمل عنصر مشترك بين الدين و الفن .
و فعلا بدأت أبحث عن عناصر الصورة الفنية في القرآن و كان لبحثي نتائج فريدة .
أولها : أنني قمت بتأليف كتابي الأول : التصوير بالكلمات - شارحة فيه عناصر الصورة الفنية في القرآن .
ثانيا : أنني قمت بالتدريس في احدى المدارس الإسلامية في تورنتو كنت دائما أحض طالباتي على التأمل و التفكر بآيات الله من خلال التجوال في الفيافي و الحقول - و ما أكثرها في كندا -
كنت أدعوهم الى السير في الأرض للتعرف على الخالق من بديع صنعه . يقول الله تعالى :
<< قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن شاء الله على كل شئ قدير>> العنكبوت 20
إنها دعوة إلى السير في الارض كي نتبصر بآيات الله الجميلة .
ثالثا : إنني في كل مرة أدعى فيها الى منظمة Mentors أوMuslim Education Network Training and Outreach Services في كل مرة أدعو المعلمين و المعلمات إلى الجمع بين مادتي الفن و الدين لأنهما يبدآن من معين واحد و ينتهيان في مصب واحد ألا و هو تمجيد الخالق بديع السموات و الأرض و ما فيهما .
-أما النتيجة الرابعة فهي :
عندما أتيت الى كندا و دخلت عالم الصحافة "الحرة" كانت الآمال العريضة تملأ نفسي بإغناء هذا العالم بينبوع ثري من الجمال و الصفاء و السلام و التآخي بين أفراد الجالية العربية على اختلاف مذاهبها و معتقداتها و لكنني للأسف اكتشفت أن "حرية" الصحافة و الديموقراطية لا تعني للبعض سوى بيئة خصبة للتعبير عن كره عميق للدين الإسلامي و إذا كان الكره سمته القبح فإنني عندما أرى صور مشوهة تفتري على الإسلام لا أستطيع أن أتمالك نفسي دون أن أظهر حقيقة الجمال الذي اكتشفته بنفسي ذات يوم .
و هكذا عوضاً عن بذل الجهود و الطاقة لعرض صور الجمال و التأخي و المحبة التي في الوجه الآخر للجمال . أجد أن الجهد للأسف أبذله لاستنكار القبح الذي هو بدوره الوجه الآخر للكراهية .
دعوة من القلب للقارئ الكريم دعانا إليه ذات يوم الشاعر العظيم إيليا أبو ماضي : كن جميلاًَ ترى الوجود جميلاً ! |