التحليق بجناح دبور
في صحيفة "أكاد"(تورنتو) ، و في العدد الصادر بتاريخ 17 حزيران 2004، و في زاوية تحمل عنوان
" آراء محلقة" كتب صاحب الزاوية مقالة بعنوان "الاستحمار و الاستعمار"، المقالة تتكلم عن فتوى صادرة
عن الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية،تقضي بعدم جواز تقديم الزهور للمرضى
لأن ذلك فيه إنفاق للمال في غير مستحقه. و يعلق
الكاتب على هذه الفتوى بقوله :
وأظنه يود النصح بالدخول على المريض "بحلة محشي" أو "دقية بامية مع جوزين حمام محشي بالفريك"
أنفع له و أجدى من الزهور و الورود . ثم يضيف الكاتب :
و الفتوى الثانية التي استفزتني و لم أستطع السكوت حيالها صادرة من مفتي الديار المصرية، علي جمعة الذي أكد أن الإسلام لا يعرف الإستعمار و لا التمزقة العنصرية و لا اضطهاد المرأة كما لا يعرف إبادة الشعوب في مختلف مراحله القديمة و الحديثة .
و يعلق الكاتب على ذلك : ماذا يرى فضيلته في الغزوات المذكورة في كتب التاريخ لدول الجوار شرقا وغربا واحتلال تلك البلدان و نشر الإسلام فيها بحد السيف : "من يسلم منهم يسلم أو يدفعون الجزية وهم صاغرون" ؟ ماذا يرى فضيلته في محو ثقافة و ضياع اللغات الأصلية للبلدان التي فتحوها بحد السيف وتحريم التعامل بغير اللغة العربية فاندثرت بذلك اللغات الهيروغليفية و الفينيقية و الأمازيغية و الكلدانية و البابلية ؟ ماذا يرى فضيلته في دخول طارق بن زياد إلى إسبانيا ....إلى آخر المقال .
إن كلامي الآن موجه إلى القارئ الكريم .
بالنسبة لعدم استحباب إهداء الزهور أثناء زيارة المرضى، يمكن للزائر أن يتبع هدى الرسول صلى الله عليه و سلم في أحد الحديثين إما:
أولا : حديث الرسول " داووا مرضاكم بالصدقات " أي التصدق بثمن الزهور لفقير أو محتاج، ومن ثم الدعاء للمريض بالشفاء . و هذا و بالتأكيد ما يفضله المريض و يتمناه من كل زائر، ولأروي لكم هذه القصة على سبيل المثال :
منذ أعوام ،عندما كنت لا أزال مقيمة في الوطن ، قمت بزيارة إحدى صديقاتي في مستشفى التوليد، كان هناك في الغرفة المجاورة سيدة قد أنجبت وليدها بعملية قيصرية، كان وجهها شاحبا ، و كأن صفرة الموت تعلوه، نظرا لظروف ولادتها الصعبة و لكميات الدم التي نزفتها ، و يبدو أنها كانت تعاني من بعض الظروف الصعبة، إذ لم يكن هناك بجوارها سوى زوجها الذي أصرّ على خروجها من المستشفى فور ولادتها – رغم اعتراض الأطباء – لأنه لا يستطيع دفع تكاليف المستشفى بعد أن باع أثاث منزله لتغطية نفقات العملية القيصرية، وفعلا غادر الزوجان مع الوليد بعد أن صرح الزوج أنه سيضطر إلى الانقطاع عن العمل بضعة أسابيع كي يستطيع الاعتناء بزوجته وطفله، رغم حاجته الماسة إلى الأجر اليومي الذي يتقاضاه من العمل .
في الغرفة المجاورة و من الطرف الآخر، كانت السيدة التي أنجبت طفلها في ذات اليوم قد تلقت عددا كبيرا من باقات الزهور حتى أن غرفتها قد ضاقت بها فاضطرت الممرضات إلى وضع الفائض في جوانب الممرات، و طبعا لا يخفى على القارئ أن ثمن هذه الزهور التي ستؤول بعد أيام إلى حاوية المهملات كان سيغطي حتما ثمن إقامة السيدة ذات العملية القيصرية .
ثانيا : يمكن بحال آخر اتباع هدي الرسول(ص) في الحديث " تهادوا تحابّوا" و ذلك بشراء بعض الحاجات التي قد تلزم المريض في استعماله الشخصي .
لأنتقل الآن إلى الفتوى الثانية من مقالة "الآراء المحلقة" "الاستحمار و الاستعمار" حيث أن المتهم الآن ليس الزهور بل هو طارق بن زياد الذي يضيفه الكاتب في قائمة الإرهابيين ، و إنني لأتساءل : إذا ابتدأ الآن بطارق بن زياد ترى أين سينتهي مع تاريخ المسلمين ؟
حديثي الآن موجَّه أيضا إلى القارئ الكريم :
عندما زرت إسبانيا عام 1997 و قمت بزيارة قصر الحمراء ، وقفت مشدوهة أمام العبقرية في تصميم النوافير و برك الماء و الحمامات – خاصة بحكم مهنتي كمهندسة- و لا يخفى على القارئ أن أوروبا كانت تفتقد إلى الحمامات بل إن قصر فرساي على سعته كأن لا وجود فيه لحمام أو حتى دورة مياه، وإن اختراع "البارفان" أتى في الحقيقة لتغطية رائحة الجسم النتنة، كما أن اختراع الشعر المستعار الذي كات شائعا في ذلك الوقت كان الهدف منه تغطية القمل الذي كان يسرح و يمرح في رؤوس الناس .
إن الكلام عن حضارة المسلمين في الأندلس لن أستطيع تغطيته أبدا بمقالة محدودة السطور، وللقارئ أن يعود إلى المجلدات و كتب التاريخ التي تزهر بها المكتبات في أوروبا و أمريكا والتي تتكلم عن علوم الفلك والطب والهندسة والجبر والفزياء والرياضيات... و عندما كان الأوروبيون يقومون بضرب المريض عقليا حتى يخرجوا من جسده الشيطان والأرواح الشريرة ، كان هنالك مستشفيات خاصة للمصابين بالأمراض العقلية في الأندلس تعالج المرضى بالموسيقى، و بالماء سواء بالنظر إلى النوافير و الشلالات، أو بالاغتسال وجاء حرفيا في أحد كتب التاريخ : "وكان هنالك لكل مريض خادمان يعينانه على الاغتسال يوميا وعلى الوضوء و أداء الصلاة في أوقاتها من أجل راحته النفسية ".
أما إذا كان اهتمام الكاتب عظيما بحتمية اللغات المندثرة من هيروغليفية و أكادية و..و فأنا أشاركه أيضا حزنه على هذه اللغات
وأتمنى لو أن مقالته " الاستحمار و الاستعمار" كانت مثلا باللغة الهيروغليفية، عندها سوف تنجو اللغة العربية من الهبوط إلى مستوى مفردات سوقية مستمدة من بيئة محلية مازالت تعشعش في ذاكرة الكاتب منذ عهد بعيد وحتى الآن : مثل دقة بامية ، وحلة محشي ... و كم كنت أتمنى مثلا بالاستعاضة عن التعبير السوقي – عش دبابير – بتعبير أدبي أكثر أناقة مثل "دعوا الفتنة نائمة لعن الله من أوقظها "
و لكن المثل يقول "كل إناء بما فيه ينضح" . إذ أن الكاتب يقول في مقالته : "وما دعاني للكتابة في هذا الموضوع بعض الفتاوى التي قرأتها مؤخرا و التي دفعتني دفعا لدخول عش الدبابير رغم معرفتي بلدغاته المؤكدة "
إنني أقول للقارئ الكريم، رغم حبي الشديد للشجاعة و كرهي للخوف كما أعلنت في مقالتي السابقة – الخوف. رغم ذلك فإنني لا أستطيع أن أصنف الكاتب في قائمة الشجعان الصناديد رغم اقتحامه عش الدبابير لعلمي أن الرضا الأمريكي عنه سوف يطفئ كالبلسم آثار لسعات الدبابير .
أليست الموضة الآن ـ موضة العصر – هي توجيه أصابيع الإتهام إلى الإسلام الذي يقبع في قفص الاتهام و كل من لديه حقد قديم أو خوف مزمن أو عقدة نفسية متأصلة الجذور .. فالآن هو الوقت المناسب تماما كي يبرزها و ينال الإستحسان و اللطف الأمريكي؟؟ .
يقول الله تعالى في سورة الأحزاب آية 19-( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشِحَّة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ) و الكاتب له باع طويل في هذا الشأن بل أنه قد وظف قلمه ومنذ زمن بعيد للطعن في الإسلام و المسلمين وتقصي الفتاوى الإسلامية في شتى أصقاع الأرض، و للقارئ أن يتأكد بنفسه من ذلك .
الكاتب له أيضا أياد بيضاء في التصدي لمن يريد الدفاع عن الإسلام، فقد أفسد – سامحه الله- على د (ي. م) محاولة هذا الأخير إنقاذ الدين الإسلامي من تهمة ضرب المرأة، و عاد إلى الكلام مجددا عن قصة الإنجيل التي كتب فيها ذات يوم (ي.م) مع أنني أعتقد أننا قد طوينا هذه الصفحة منذ سنوات ..و لكن هيهات .
إن الأدب الجم والحياء المفرط الذي يتميز بها كاتب مقالة " الاستحمار والاستعمار" جعله يلمح فقط بذكر الحرفين الأولين من اسم الدكتور الذي كان يدافع عن الإسلام، و لعله نفس الأدب و الحياء الذي جعله يعلن أنه يحترم كل الأديان السماوية رغم غمزه واستهزائه بالآية الكريمة " أو يدفعون الجزية وهم صاغرون".
في نهاية المقالة آراء محلقة الاستحمار و الاستعمار كان هنالك إعلان يقول " أكاد تقرأ في جميع أنحاء العالم "
أوجه كلامي إلى صحيفة أكاد و أقول :
إنني أشك في أن الجريدة سوف تحلق في جميع أنحاء العالم بأمثال مقالات "الاستحمار والاستعمار" بل إنني أجدها تهوي إلى مستوى ترعة آسنة ربط إلى جوارها الكاتب حماره إلى جذع شجرة حيث عش الدبابير، و نسي في خرج الحمار "حلة محشي" لازالت ساخنة في ذاكرته و سوف يقدمها حتما على مائدة الصحافة كلما سنحت له الفرصة كي يطعن في الإسلام و المسلمين ..
كلمة أخيرة للقارئ :
إنني لا أنصف الإسلام بقلمي (ن.س) و الإسلام لن تدافع عنه (ي.م) و لن يطعن فيه قلم ( ف.ع) صاحب المقالة المحلقة لأن الله عز و جل قد وعد في كتابه العزيز : "و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون" . كلمة أخيرة إلى نسر أكاد المحلق يقول الله عز وجل : " و من يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتَخْطَفُهُ الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق " الحج 31 |