آراء معاصرة
الأطفال لا يسألون
9 أكتوبر 2001
والآن يا أطفال يا حلوين، سأحكي لكم حكاية، فيها عبرة وغاية، على شرط أن تبقوا ساكتين، ومن السؤال ممنوعين، ومن يفتح فاه بحرف فإنه ممنوع من الصرف، إلى داره في المساء، بل هذا أقرب إليه من نجوم السماء.
كان بإمكان في سالف العصر والأوان، يحكى أنه كان غول مخيف هائل وحشي الخصال والشمائل ، يتخذ من الجبال وطناً، ومن الكهوف داراً وسكناً، هذا الغول كان له عين حمراء واحدة، وقامة طويلة ماردة، وكان له ذقن طويلة زرقاء ويعيش في كهفه برغد وبحبوحة وسراء.
كان له من الزوجات أربعمائة، ومن الأولاد ألف وتسعمائة، وكان أولاده يخلقون من بطون أمهاتهم يملكون ذات الذقن الزرقاء والعين الوحيدة الحمراء بقدرة عجيبة وقوة مجهولة غريبة.
كان هذا الساحر الجبار، يزرع الخراب والدمار، في سائر المدن والأمصار، وكان له وأعوانه عصا سحرية، ذات قوة فريدة سرية، كل ما تلمسه يستحيل رماد، حتى الحديد تجعله للأرض سماد، وكان لكل من القرى القريبة والبعيدة، نصيب من فعاله الشيطانية المريدة.
أما في القرية المجاورة ، فقد كان فيها أميرة جميلة ساحرة، تقطن في قصر منيف محاط بأسوار الورد والزرع الكثيف.
أحب الغول الأميرة، فقد لمحها ذات يوم بعينه الحمراء المستديرة، وسعى إليها بتوسل ورجاء، ولكنها تمنعت عليه بتيه وخيلاء.
جن جنون الغول بعد أن أدرك أن بينه وبينها ألف عزول، استدعى الغول صحبه وخلانه، ونادى عبر البراري جنده وأعوانه، وأعد لهم في المساء وليمة ومائدة عظيمة كريمة.
ضحك الغول وقال ولعابه من فيه قد سال : اليوم لديكم لحم وفاكهة وخمر أما غداً فلدينا ألف أمر.
شرع الناس يشربون ، ومن الأطايب يأكلون، يعربدون ويسكرون، وما إن لاح الصباح حتى نفذ الخمر من الخوابي والأقداع.
ولكن ما إن لم الغول بعصاه، الذقون والجباه، حتى انصبت هامات القوم السكارى، بهمة ونشاط لا يبارى، وامتطى البعض جيادهم الطائرة، وانطلق البعض قوافل سائرة.
وهم يحملون عصيهم السحرية، ويزرعون الرعب في قلوب الأسوار والحصون، وكأنهم لم يقضوا ليلهم في لهو ومجون، وتألق في أحداقهم بريق العزيمة، وانتفخت بطونهم من تخمة الوليمة.
أشعلوا في القرية النيران، وانبرى الناس يسعون كالفئران أما الأميرة الظريفة المدللة، ذات القامة العفراء الكاملة بأوراق الليمون والغار، والليلك وزهر الجلنار، فقد تشعثت غدائر شعرها ا لأشقر، وتمزقت أطراف ثوبها الحريري الأحمر، وضاعت فردة حذائها الذهبي الصغير، وبقيت الأخرى تحت فراشها الوثير، ذو الستائر والنمارق، وإن هي إلا دقائق حتى امتلآ المكان بالحرس والجند والعسس ، وبدأت الكلاب بالنباح بين أشجار التوت والتفاح.
ولم يبق أمير أو أجير أو خادم أو زير إلا وبدأ يبحث عن أثر لوحش أو بشر، يدلهم على مكان الغول ، حتى آذنت الشمس بالأفول.
وبعد البحث والمثابرة، والكفاح والمخاطرة ، وبعد جهد جهيد، وصبر قوي عنيد، علا صوت الجند بالنداء، فقد عثروا على فردة الحذاء، كانت تشبه تماماً حذاء الطنبوري، ولها ذات الملمس الناعم الأنيق ذلك فقد أعلنوا أن الفردة المفقودة تطابق القديمة الموجودة.
وفي ذات يوم جمعة، وفيما كان الجند يمشون بسرعة، عثروا على خيط أزرق، مصنوع من الاستبرق ، لم تمسه النار، ولم يطاله الدمار.
وبعد التحليل والتركيب، وفحص من بعيد وقريب، ثبت أنه شعرة من ذقن الغول، سقطت منه وهو يأكل الفول، وأثبتوا أن لها ذات الـ DNA وهتف المحلل: لا مجال للشك No Way .
أصدر والد الأميرة، بلهجة مؤثرة مريرة، هذا الفرمان، في كل شارع وحارة ودكان:
أن الغول الذي يزرع الرعب في القلوب، هو من الآن وصاعداً من العدالة مطلوب، ميتاً أو حياً، مشوياً أو نيئاً.
وهكذا أصبح أهل القرية بلا خطيئة، وانصبت نقمتهم على سيرة الغول القميئة ، وأنشؤوا يرجمون صورته بالحجارة، وأصبح الكل عنواناً للبراءة والطهارة وفجأة : نبت للحية جناح عصفور، أما العقرب فقد استعار منقار زرزور انبعث من الضبع الأغبر رائحة مسك وعنبر، وأصبح لجلد التماسيع والقردة، نعومة برعم الوردة، طار الفيل بجناحي فراشة، وابتسم البوم بهشاشة وبشاشة، وصار للذئب وجه حمل، وأصبح للنملة أشفار الجمل، غردت الكلاب والحمير، أما ماء البحر فقد أصبح حلواً كالعسل، وصار للتين طعم البصل.
هنالك صوت واحد لم يتغير رغم أن الدم صار لونه أصفر واستحال لون المطر أحمر.
صوت شجي يتلو ويطب للأسماع ويعلو :
ولا تلبسوا الحق بالبطال وتكتموا الحق وأنتم تعلمون .
البقرة (42). |