English سيرة ذاتية | لوحات | معرض اللوحات | كتب ومؤلفات | مقالات صحفية | دفتر الضيوف | اتصل بنا
Nadia Sultan Arts and Poetry

لوحات مختارة:

الاسم: المنزل القديم
القياس: 50 - 75 سم
ألوان مائية
السعر: 500$

   

الاسم: البلدة
القياس: 50 - 75 سم
ألوان مائية
السعر: 300$

   

الاسم: المسجد
القياس: 50 - 75 سم
ألوان مائية
السعر: 150$

   

الاسم: الشاطئ
القياس: 50 - 75 سم
ألوان مائية
السعر: 200$


» المزيد من اللوحات
 

معرض اللوحات:
عربي
 
إسلامي
 
منوع
 
معرض

مقالات صحفية:

< عودة لفهرس المقالات

آراء معاصرة
أبو حسن

الثلاثاء 22 مايو 2001

كان النهار قد لملم حقائبه آذناً بالرحيل، ولكن نيران شمسه الحارقة، ظلت سياطاً لاسعة تنوء تحت وطأتها مدينة حلب الشهباء، حتى بعد أن أطل القمر بوجهه الحالم القديم، فأغرق المدينة بسيل أمواجه الفضية، خلت لوهلة أنه شمس أخرى قادمة كي تجلد المدينة من جديد. كان يوماً هارباً من ا لجحيم، فكل ما حولي ينفث لهباً، جدران الغرفة السمراء، المقعد الجلدي الأسود الذي أجلس عليه حتى كأس الماء التي قدمها لي الحاجب أبو حسن، لم تلبث كرات الثلج أن تلاشت فيها للحظات.

ـ هنيئاً بالعافية !.. شرفت يا خانم تمتم أبو حسن بلهجة حلبية صرفة.

ـ سلمت يداك .

ـ شلونك يا خانم ؟ زمان لم تزورينا جنابك !

أعتدت تبادل التحيات والسؤال عن الصحة والأولاد والأسرة مع أبو حسن حاجب السيدة ( هـ ) صديقتي. وقد زرناه في داره ذات مرة كي نقدم له يد العون، بعد أن ألمت به وعكة صحية اضطرته إلى القعود في المنزل ثلاثة أشهر، فهو يعمل في مكتب المحامية ( هـ ) منذ خمسة عشر عاماً بدأب وإخلاص.

كان أبو حسن في أواخر العقد الخامس، ولكنه ذو نشاط وهمة ويعتبر نفسه أسطة في تحضير الشاي والقهوة وكذلك بعض الوصفات العشبية الخاصة التي كان يتحفني ببعضها أحياناً كعلاج للسعال والزكام والصداع، وأحياناً بعض الأمراض التي يعجز الطب عنها فعلاجها عند أبو حسن كما يقول وكان يحرص على أناقته ونظافة ملبسة بالقدر الذي يسمح له به راتبه الضئيل، ولكن ذقنه كان يبدو أنها في منأى عن برنامج الأناقة، فقد كانت لا تمسها موس الحلاقة إلا في الأعياد والمناسبات الخاصة، إذ أن صابون الحلاقة من قائمة الكماليات، وقد لاحظت في صباح أحد الأعياد أن ذاك المربع الرمادي الكائن تحت منخريه هو شارب وليس جزءاً من الذقن المهملة، كان ينتعل دائماً خفاً نظيفاً مكسور الحافة الخلفية حتى يكون أقدر على التجول بخفة ورشاقة في أرجاء المكتب.

أما ذاك النهار، فقد شل الحر حركة أبي حسن فبدا متثاقلاً وهو يجمع الأكواب والفناجين الفارغة، وقد التصق قميصه الأزرق ببدنه من فيض العرق الناضح منه، والتمعت صلعته المستديرة كبطيخة صيفية فات أوانها.

سألته مازحة : ألا تملك في صيدليتك شراباً خاصاً لإطفاء الحر يا أبو حسن ، أجابني وطيف ابتسامة مجاملة تداعب وجهه المتغضن... الله يرحمنا يا خانم .. الله يجيرنا من نار جنهم ! ثم انصرف عني بخطوات كسلى.

ما إن ودعت صديقتي آخر رهط من المدعين والمدعى عليهم، حتى اكتست أبو حسن قوة جديدة خارقة، فأنشأ يرتب المكتب بسرعة ساحر ماهر كي ينصرف إلى داره مبكراً، ملقياً علب العصير الكرتونية الفارغة في كيس أسود، هتف يخاطب السيدة ( هـ ) : خانم !... في واحدة مختومة لم يشربها أحد، أجابت صديقتي وهي تغلق آخر ملف بين يديها اشربها إذن فهي لك .

اطبقت يده الخشنة السمراء على علبة العصير بقوة، وكأنه يخشى أن تفلت منه، وأشرق وجهه المكذود المبلل، فيما أطلت نظرة جزلي أخالت محياه الكهل فجأة إلى آخر طفولي متهلل: لا ! سوف أخبئها للحاجة أم الأولاد.

يقول الله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون . آل عمران 92

عندما ينفق العبد مما يحب ابتغاء مرضاة الله سبحانه فإنه ينال مرتبة الإحسان، ولكن عندما ينفق العبد مما يحب لأجل من يحب من الخلق أتراه ينال الحظوة عند الله عز وجل ؟!.

في تلك الساعة ما كان أحب على أبي حسن من كأس عصير مثلج يطفئ به جوفه المتقد، ولكنه فضل زوجته الحاجة أم الأولاد على نفسه.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره فماذا كان يملك يا ترى ذاك الأشعث الأغبر حتى ينال مرتبة البر ؟؟

لابد أنه كان يملك جمالاً خاصاً غير جمال الصورة، وغنى فريداً غير غنى المال، لابد أنه كان يملك الفطرة الجميلة والقلب الغني.

لقد وفد ذاك المساء إلى مكتب المحامية السيدة هـ عدد لا بأس به من أصحاب الشهادات العالية والمهن المرموقة والقمصان الهفهافة والذقون الحليقة المعطرة، ولكن رائحة العطر الفاخر لم تستطع وللأسف أن تتغلب على رائحة الملافظ ا لنتنة التي تفوه بها أحدهم ولم تشفع لها أناقة صاحبها.

أما أبو الحسن الكهل الفقير الأغبر، فلم يكن بحاجة إلى أي صفة من تلك الصفات الآنفة كي يحظي بتقديري واحترامي وإعجابي آنذاك. لأنه كان يملك المنطق النبيل الذي أوحته إليه الفطرة السلمية، والمنطق الذي لا تمنحه أبداً الشهادة العالية ولا الثروة الطائلة ولا زجاجة العطر الثمين.

كان يملك الرقي الذاتي الذي جعله ينسى روحه الظمأى، ويتذكر الحاجة أم الأولاد التي صنعت له العائلة والكيان. إنها الصديقة الوفية طوال ثلاثين عاماً التي قاسمته شظف العيش، وهي الملاذ الآمن الذي استكان إليه حين أقعده المرض عن العمل، وهي الأم الصالحة التي أنشأت له سبعة أولاد نجباء صالحين، خمسة منهم في دار أهله القديمة مع أمه وأخواته الثلاث... إنها أم حسن التي كانت ذات يوم تملك الصبا و الشباب ولكنها أفنتهما كي تصنع له العائلة.

هذه هي الرؤية الأولى لقصة أبي حسن من زاوية الفطرة السليمة والقلب النقي اللذان اعنت بهما الشريعة الإسلامية، واعتبرتهما الإحسان وهي أعلى مراتب الإيمان.

أما الزاوية الثانية لهذه القصة من منظور إسلامي فهي علاقة الرجل بالمرأة ـ الزوجة خاصة ـ وهو ما سأتناوله إن شاء الله في العدد القادم، غفر الله لي ولكم.. وللحديث بقية.

 
< عودة لفهرس المقالات
للأعلى
Nadia Sultan Arts and Poetry
جميع الحقوق محفوظة © للأديبة الفنانة ناديا سلطان.
تصميم وتطوير: exyria Studies