آراء معاصرة
الحلم
30 يناير 2001
كان الطريق ضيقاً معتماً بعض الشيء، وأنا أسرع الخطى فوق حجارته السوداء المصقولة ، بعد مسيرة ليست بالقصيرة، وقفت ملياً أسترد أنفاسي اللاهثة.
قبل أن أقرع الباب أمعنت النظر من جديد في وريقة العنوان، أنه حتماً الباب المنشود : تحفة من خشب الليمون الثمين، نبت العوسج على أطرافه، تشققت جوانبه وزحفت أغصان دالية عتيقة فعانقت ألواحه المتداعية.
هبت ريح خفيفة فحملت لي شذى لطيفاً من ثناياه، تحمل في طياتها مزيجاً من رائحة الصنوبر والغار، كما لمحت طيوفاً قادمة من بعيد لذاكرين وذاكرات.
تاهت حواسي للحظات بين ما أستنشق وما أشعر، وما يتراءى لي، شعرت بسلام ودفء وارتياح حتى قبل أن يفتح الباب.
ما أن أمسكت باليد الخشبية العتيقة كي أقرع الباب حتى طالعني شاب من الشارع الخلفي يتجه مسرعاً نحوي، هتف: السلام عليكم.
ـ وعليكم السلام.
ـ أخشى أنك قد أخطأت العنوان، فهذا الباب العتيق لم يعد له طارق منذ زمن بعيد.
ـ أحقاً ؟!.. ولم ؟
ـ ألا ترين أنه مائدة قديمة للدهر أكل عليها وشرب حتى امتلأ !
ـ نعم هذا واضح، ولكن أهذا هو السبب لإلغائه من قائمة العناوين الحديثة المرشدة لدخول الرحاب، كيف هذا ؟ ألا ترى أنه الوحيد في هذه القائمة الذي يقع على الجهة القبلية دون انحراف أو ميل.
ثم إن أصحابه عملوا طويلاً بدأب وإخلاص حتى بدا بهذا الشكل تحفة رائعة، ألا ترى هذه النقوش الجميلة التي تعلوه، انظر إلى هذه الخطوط الهندسية البديعة التكوين.
ابتسم الشاب بسخرية خفية وقال : رجاءً لا تحدثيني عن صانعيه أبداً فقد كانوا بدائيين ينقصهم العلم والمعرفة، نحن الآن استعضنا بهذا الباب القديم آخر حديثاً ملائماً لروح العصر.
هلمي معي كي تريه ولا أشك لحظة في أنك سوف تقصدينه من الآن وصاعداً حتى تدخلي الرحاب.
حثني الفضول للتعرف على هذا الباب البديل. فانطلقت أتبع دليلي... اتجه شمالاً ثم انعطف نحو الغرب.
سألته بدهشة: ولكن هذا الباب لا يواجه القبلة كذاك القديم، هل أنت متأكد أنني سأصل الرحاب التي أبغي، أخشى أن يدركني الوقت.
أجاب الشاب بحماس: حتماً ! فالاتجاه في هذا العصر لم يعد مهما، نحن الآن في عصر الأقمار الصناعية، إنه عصر العلم والتقدم ثم إن ريح الغرب تحمل لنا الكثير من العلوم.
لم أعلق على إجابته بشيء ، وما هي إلا لحظات حتى وقفنا أمام باب معدني ثقيل ذو لون رصاصي قاتم، وزوايا حادة باردة الملمس والمظهر، تخيلت أنني أقف أمام باب أحد مصانع الحديد والصلب، أو منشأة فضائية أو قد يكون سجن صمم ونفذ وفق أحدث الأساليب.
هتف الشاب بحرارة متباهياً : انظري الآن... أين هذا الباب من ذاك العتيق، إذا أردت أن تدخلي الرحاب فما عليك إلا أن تضغطي أزرار هذه اللوحة الكهربائية وفق الرقم الذي تختاريه شريطة أن تحتفظي بالرقم ذاته في المرات القادمة إذ أن كلاً منا نحن الباحثون في هذه الرحاب نملك أرقاماً خاصة، مثلاً انتقيت أنا تاريخ تخرجي من الجامعة، أما صديقي فقد انتقى ميلاد خطيبته، لي جار محام لامع أعرف أن رقمه هو تاريخ شراءه الفيلا الفاخرة التي يقطنها الآن. أما صديقة والدتي وهي باحثة شهيرة قيل أن رقمها هو حسابها السري في بنك العصر الحديث.
قبل أن أنبس ببنت شفة، قام الشاب بضغط الأزرار برشاقة وثقة، أجابناً صوت آلي متقطع أن الرقم غير صحيح. أعاد الشاب ضغط الآزرار فانفتح الباب و مالبثت أن انبعث ضوء أحمر منبها أن الباب سيغلق خلال لحظات.
تأملت ما حولي ثم صحت بجزع حقيقي: أيها الشاب !!.
هذه ليست الرحاب التي أنشد أين أنا ؟
أجاب الفتى : أنت في رحاب العلم والعصر.
شعرت بضيق وقلت : لا يمكن أبداً أن تكون هذه الرحاب المنشودة : إنني أبحث عن الدور الأعلى، وأنا ما زلت في الأدنى، إنه ليس الباب الذي أقصد.. يجب أن أغادر هذا المكان بسرعة، أستدرت كي أفتح الباب وأنا أتمتم لكم دينكم ولي دين مرت دقيقة خلتها دهراً، فكرت أن مغادرتي المكان هي سلبية قد تحجبني عن بلوغ المرام.
توجهت إلى الشاب وقلت : ترى لماذا لا تعيدون صقل الباب القديم، إن إستراتيجية المواجهة للقبلة تجعل له مكانة لا يمكن تجاهلها، ولكن حتماً ينبغي إزالة ما علق به من غبار وأعشاب. لا مانع من أن يفتح عن طريق الأزرار الكهربائية شرط يجب أن يكون هنالك رقماً مشتركاً في مناي عن النزوات والأهواء.
سألني : وما هو هذا الرقم ؟
قلت : إنه 6666 عدد آيات القرآن الكريم، هذا الرقم المشترك يجعل من عمل كافة الباحثين في رحاب العلم من طب، وهندسة، وفلك، وفضاء، وكيمياء و..الخ .. عملاً ذا منهج واحد متجه الى مركز واحد انها سنة الحق عز وجل.
"فلن تجد لسنة الله تبديلا و لن تجد لسنة الله تحويلا" (فاطر 43) هي خطة عمل منسقة متكاملة تجمع القلب و العقل في انسجام لا يطغى فيه أحدهما على الآخر, خطة مقدمة "لقوم يتفكرون" يونس 24 - الزمر 42 - النحل 11- 69 - الروم 21 - الرعد 3 - الجاثية 13
"الا من اتى بقلب سليم" الشعراء 89
ان اغفال مكانة القلب لعمل الباحثيين تجعل العمل خارج نطاق الخطة المسنونة, انه غبار تنثره الرياح.
"و قدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا" (الفرقان 23) العمل المطلوب هو اشتراك القلب و العقل غايته الانسان, سعادته, حريته, سلامته الفكرية و الجسدية.... انه الانسان الخليفة ذو المقام الرفيع الذي أمرت الملائكة بالسجود له سجود التكريم لعقله و عمله. صمت للحظة ثم تلوت "حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و قوموا لله قانتين" البقرة 238.
أيها الشاب الحقيقة أنني لا أستطيع أن أدخل من باب مهما بلغ من عبقرية الصنع و تقنية العصر اذا كان صانعه لا يحافظ على صلواته الخمس المفروضة التي يتجه فيها الى القبلة جسدا و روحا و فكرا.
أما الصلاة الوسطى فهي السعي و الاجتهاد لبناء الحياة, انها في الحقيقة الصلاة التي نتجه فيها الى القبلة روحا و فكرا فقط فلا يطغى غرور العلم و البحث على قيمة الانسان و سعادته و كرامته و حريته مهما كان لونه أو عرفه.
شعرت فجأة أنه ينبغي لي مغادرة المكان وبسرعة.
هتفت: لا مكان لي هنا, انني أسعى أن أكون مع الصادقين الصالحين الصابرين الابرار, انني اسعى أن أكون حيث المصدر و المنبع حيث النور و الكمال و البهاء السرمدي.
أمسكت ببقبضة الباب الباردة و أدرتها ثم انطلقت أعدو الى الخارج.
باغتتني صلصلة حادة تساءلت: "أتراه جرس انذار أم ماذا" ؟
كانت الساعة تشير الى السادسة و النصف صباحا, نهضت كي أتوضأ ثم أشعلت ضوءا خافتا كي لا أوقظ ابنتي نثرت بعض العطر على أطراف السجادة كعادتي, أغمضت عيني و تمتمت: اللهم أحسن وقوفي بين يديك و لا تخزني يوم العرض عليك, بعد الفاتحة بدوت أتلو:
"هو الذي أنزل عليك الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيبتغون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم يقولون أمنا به كل من عند ربنا" صدق الله العظيم-آل عمران
|