آراء معاصرة
أوان القطاف
الثلاثاء 3 يوليو 2001
لا أدري أهي مشاغل الحياة ومتاعبها في كندا التي تعيقني عن إرسال مقالتي آراء معاصرة قبل فترة محددة من طبعها ونشرها، أم هو طمعي في كرم صديقتي ناهد وأنسها في حثي على الكتابة وسؤالها اللطيف الدائم : مش هاتبعتي كلمتين حلوين من بتوعك يا ناديا ؟!.
ولكن رب ضارة نافعة، ولولا تأخري في الكتابة لما استطعت أن أكتب عن يوم كندا من مساء السبت الفائت في 30 حزيران لعام 2001 ، في ذاك اليوم كرمتني الجمعية الإسلامية في كندا بإعطائي جائزة يوم كندا بترشيح من الدكتور يوسف مروه، وكانت مفاجأة لي بحق لأنها حطمت القاعدة التي تقضي أن لا يكرم العاملين إلا بعد وفاتهم أو عندما يبلغون من العمر عتياً، حتى يصبح التكريم في بعض الأحيان إيعازاً إلى قرب الأجل، كما حدث مع والدي علي مظفر سلطان إذ أنه كان رائد القصة القصيرة في سوريا وحاصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي من جامعة فؤاد الأول في القاهرة بتقدير جيد ممنوحة من قبل الدكتور طه حسين وأمين الخولي وغيرهم.
باشر والدي بكتابة القصة القصيرة في سوريا وكان له من العمر ثمانية عشر ربيعاً، وعندما زحف خريفه الخامس و السبعون أقامت له الجمعية السورية للقصة حفل تكريم في آذار لعام 1986 وفي شباط من عام 1987 كانت أغصان الأسى تعانق قبره في إحدى مدافن مدينة حلب الشهباء.
عصفت هذه الذكريات بقوة في خاطري وأنا أطل بالأمس على صالة الحفل التي تعانق في أرجائها اللونان الأبيض والأحمر وتربعت ورقة الـ Maple Leaf على طاولات مكان الاحتفال الذي ما لبث أن افتتح بنشيد كندا الوطني. كانت أردد كلمات النشيد وأعي معانيها ومراميها، فهي حقاً الأرض التي أدعو ا لله أن يرعاها ويحفظها لأنها الأرض التي فتحت ذراعيها للجميع، وهي الشمس التي أشرقت وطبعت قبلة الأخاء والحب على جبين الشعوب القادمة إليها، وهي النسيم الذي هب ناثراً غبار الطلع من شتى بقاع الأرض كي ينبت شجرة الـ Maple Leaf هذه الورقة الحمراء التي هي شعار الإنسانية، عندما تتضافر بكل ألوانها وأعراقها وسماتها كي تعطي الإنسان حقه من الحرية والسعادة والأمان.
إن الجذور العميقة الراسخة في حبي لوطني الأم سوريا قد بدا جلياً في لوحاتي التي كانت تحمل مشاهد مختلفة لقرى حلب وجوامعها وأسواقها وبيوتها وحاراتها القديمة وكذلك المسجد الأقصى والقدس ولبنان هذه الجذور التي تشدني دائماً إلى الأرض الأم قد أورقت وأينعت وأثمرت في أراضي كندا فحملت لي الحب والتكريم.
إن معلمي الأول النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي علمني أن أحب وطني الأم فقال صلى الله عليه وسلم حب الوطن من الإيمان هو الذي حثني أيضاً على أن أشكر كل من يهبني حباً جديداً وأرضاً كريمة فقال صلى الله عليه وسلم من لم يشكر الناس لم يشكر الله هذا الدين العظيم دين الإسلام الذي ساوى بين حق العبد في عرفان الجميل وحق خالقه عز وجل هو حقاً من أهاب بي أن أشعر بالولاء إلى كندا وأن أعاهدها على العطاء والبناء كما أشعر بالولاء لوطني سوريا، فالحنين إليها ما زال يعشش في قلبي ويشدني إلى حيث التراب الأول الذي جبلت وصنعت منه إنها المغناطيسية التي تأبى مفارقتي مهما ضربت في شتى بقاع الأرض.
|