آراء معاصرة
ابنتي و السيد ج "الجزء 1"
24 أبريل 2001
ألقت حقيبتها المدرسية على الأرض، ثم بدأت تهيل فوقها حاجيات الشتاء المدرسية تباعاً : الكفوف واللفحة الصوفية والمعطف الثقيل ، وقبل أن تخلع حذاء الثلج أطلت علي بعينيين مغرورقتين بالدمع، وأرنبة أنف حمراء تنبئ أن زمهرير تورونتو قد بلغ أوجه ذلك المساء، ثم هتفت بصوت متهدج :
ـ ماما.. هل تعلمين أن مستر ( ج ) الذي يسبب لي المتاعب منذ أول العام هو يهودي.
كان صوتها يرتجف برداً وهلعاً، بينمنا أطلت من وجهها البرئ ملامح الذعر وكأنها تتذرني أن شرذمة من أتباع باراك قادمة كي تدك أرجاء بيتنا كما يفعلون بإخواننا في الأراضي الفلسطينية.
ابتسمت رغما عني وهرعت أضم يديها الصغيرتين أدفئهما بين كفي كي أهدئ بعضاً مع روعها فتسترد أنفاسها اللاهثة، ثم سألتها: آه صحيح ؟ ! وكيف عرفت ؟.
ارتعشت أهدابها الطويلة المضطربة وهي تجيب :
ـ هو الذي قال لنا هذا اليوم.
قصة ابنتي مع أستاذ مادة الاقتصاد مستر ( ج ) بدأت منذ عام ونيف. ومنذ أن قدمنا إلى كندا كمقيمين ، وكان انتسابها لمدرسة عامة تدرس المنهاج باللغة الإنجليزية نوعاً من التحدي اللامعقول، فقد حصلت قبل قدومنا بأيام على شهادة البكالوريا السورية الفرنسية، وعندما التحقت بالمدرسة الكندية كانت معلوماتها عن اللغة الإنجليزية تعادل ما أعرفه عن اللغة الصينية.
كان أول موضوع كتبته في المادة المذكورة لمستر ( ج ) يستحق الرثاء فعلاً، وقد استوقفها ذاك اليوم في ردهة المدرسة، وأنبها بقسوة قائلاً :
إن علامتك يا آنسة في هذا الموضوع سيئة لا تشرف اسمك. لم تستطع وقتها أن تجيب بما تدافع به عن نفسه، ولكنها عادت ذاك المساء ومساحة من الدمع تغطي وجهها الوديع الحزين، لم أجد ما أخفف به عن مشاعرها المقهورة سوى جملة كتبتها لها كي تحفظها غيباً مفادها بأنها تعتزم دراسة الإنجليزية كلغة ثالثة بعد العربي والفرنسي وهذا بذاته نوعاً من التحدي تستحق من أجله كل العون والرعاية والتقدير.
ومنذ ذاك التاريخ ورحلة الدمع والكفاح قد رافقت ابنتي حتى آخر العام الماضي. سألتني ذات يوم : هل تعتقدين أنه يتعمد جرح مشاعري وإيذائي لكوني الوحيدة التي تعلن انتمائها الإسلامي بكوني محببة ؟ .
أجبت : وعلى فرض ذلك، ينبغي لك أن لا تدعي له أي فرصة لإنتقادك على العكس إنها فرصتك كي توضحي له من هي الفتاة المسلمة بسلوكك وانضباطك واجتهادك وتعاونك مع الآخرين. إنها الدعوة للإسلام ولابد أن تعاني من أجلها وإلا هل تظنين أن الناس لمجرد نطقهم بالشهادتين أن يتركوا لشأنهم دون ابتلاء من الله واختبار لصدق إيمانهم واحتمالهم للتكاليف الدينية والصبر على الطاعات.
يقول الله تعالى في سورة العنكبوت " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " لقد امتحن الله المؤمنين السالفين وعرضهم للفتنة والاختبار فكان بعضهم يكوى بالجمر اللاهب وكان الآخر يمشط جسده بأمشاط الحديد. حتى اليوم إ، الذين يدافعون عن أسلامنا هم أطفال لم يبلغ بعضهم الثامنة عشر يقاومون النار والمدفع بحجارة من أشلاء منازلهم المهدمة، فما أهون ابتلائك، هل تجدين أن مجرد ارتداؤك الحجاب في مدرسة عامة كندية هو جهاد بحق، ما أيسر هذا الجهاد إذا ليت كل جهادنا بهذه الدرجة من التكليف. تلاشت أمواج القهر والأسى المتلاطمة وهكذا امتطت ابنتي صهوة التحدي في حرب لا هوادة فيها لأنها كانت تعلم أنها لا تمثل ذاتها بل كانت هي المثال الحي الوحيد عن الإسلام في المدرسة الكندية بأسرها.
كانت لا تملك صداقة أترابها من إناث وذكور فما يشغلهم ليس له في حسبانهم أدنى قيمة، أما مقاييس المتعة والتسلية فقد كان بينها وبينهم بون شاسع حتى أصبح تبدو في نظرهم مخلوقاً غريباً كلياً، ولغزاً لا يملكون له حلاً.
بعد أن ربحت جولة الانتخاب كي تصبح رئيسة للمدرسة وأثبتت جدارة عالية في إدارة جميع أنواع النشاطات المدرسية، كان هنالك سؤال آخر يتأرجح على شفاه الجميع : إذا كنت حقاً تملكين هذه الكفاءات والمواهب، لماذا تحتفظين بحجابك ولا تنضمين إلى عالمنا المتمرد من القيود والحواجز الذي هو في رأينا عنوان النجاح ؟
وهكذا كانت رحلة دعوة للإسلام التي خاضت غمارها ابنتي ليس لها منبر ولا تدعمها جماعة من المريدين والمريدات، لا تنتمي إلى فئة أو طائفة أو حزب، كانت دعوة دون إعلانات، ونصرة للإسلام دون هتافات، كانت نداء صامتاً ورسماً واضحاً جلياً لخارطة الصراط بتطبيقه فقط دون إشارات مرور ولافتات تنبيه.
كانت دعوعة ذات مخطط بسيط قوامه سهر دؤوب صامت، ليال عمل مضن بين أكوام الكتب والقواميس والمراجع تبدأ بعد صلاة العشاء ولا تنتهي أحياناً إلا بعد أداء صلاة الفجر دون أن تنسى قراءة جز من القرآن كل يوم.
ابتدأت سيرة العمل بعلامة دون الـ 30 % وانتهت بعلامة تقل عن المائة بقليل، حتى حصلت على الـ Scolar ship في إحدى جامعات كندا الشهيرة.
قالت لي ذات يوم : لقد تغير مستر ( ج ) كثيراً.
أجبت : حقاً ؟ هل تقصدين أنه أصبح يعاملك بطريقة أفضل ؟
أجابت : ليس هذا فقط، أظن أنه تغير حتى مع باقي الطلاب، أسلوبه في التعامل أصبح أكثر دماثة، طريقته في الحوار اتخذت منحى منطقياً أكثر.
ابتسمت وأنا أرى أن نجاح ابنتي قد أنبت لأفكارها أجنحة عريضة قد جعلتها تحلق عالياً وبعيداً عن أرض الواقع.
في اليوم الأخير في المدرسة طالعني ثانية ذات الوجه المبهور المتأجج انفعالاً ذات أرنبة الأنف المحمرة والمقلتان الواسعتان الدامعتان ولكن هذه المرة من شمس حزيران الساطعة.. ألقت في حضني الـ Year Book وقلت على عجل صفحاته حتى وصلت على صفحة تعليقات الأساتذة وقد تصدرتها ملاحظة مستر ( ج ) :
شكراً لك لأنك جعلت مني أستاذاً أفضل.
|