الاسلام و العصر
قدمته إلي صاحبة المنزل قائلة: " المهندس (أ) صديق ابني (م).. وافد جديد إلى كندا.. حييته بحرارة و أنا أتطلع بشوق إلى ما يحمله لي طيفه من الوطن: أصدقاء و أقارب، أماكن و ذكريات، حتى الهواء الذي يحطه خيل إلي أنه يحمل شيئاً من ياسمين الوطن، و ظلال أشجار الزيتون، و عبق التراب حين يعانق للمرة الأولى قطرات الغيث الخريفي الهاطل من ديمة سكوب.. كهطول هذه الديمة انهالت أسئلتي، كيف؟ و أين؟ و متى؟ .. كانت انتفاضة أطفالنا في الأراضي المحتلة محطة وقنا عندها طويلاً لنسأل: ما هي ردود فعل أهالينا هناك؟ و أردفت قائلة: سبحان الله كيف يتحول الحجر في قبضاتهم الفتية إلى مارد يهز العالم بأسره. هذه الحجارة أليست حقاً قاعدة صرح عظيم لا بد أن يكتمل بناؤه و لو بعد حين. هذا الصرح الذي بناه أسلافنا يوماً و يعيد بناؤه أبناؤنا اليوم لأنهم مؤيد بوعد من الله.
"يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم و يأبى اله إلا أم يتم نوره و لو كره الكافرون"
أجاب السيد (أ): عن أي صرح تتكلمين؟ أهو بناء الدولة الإسلامية التي لم توجد يوماً حتى نأمل بوجودها الآن؟..
أبت لقمة الحلوى الصغيرة التي قضمتها للتو أن تدخل في جوفي، توقفت في بلعومي في عناد شديد، فيما سمعت فنجان القهوة يرتطم على الطاولة أمام السيدة صاحبة الدار. ازدرت لقمتي بصعوبة، و رشفت قليلاً من الماء و قلت: هل تعني أن الدولة الإسلامية خرافة؟ و ماذا عن عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم؟
أجاب السيد (أ): أوافقك بالتأكيد أن الدولة الإسلامية وجدت حقاً في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم و لكنها اندثرت بعد ذلك مباشرةً و ماتت.
في ثوان معدودة تهاوت أمامي محكمة الفاروق العادلة و تململ شهداء حروب الردة في عهد الصديق في مرقدهم في غضب و تمرد.
استقرت عيناي فوق المصحف الشريف على رف المكتبة و عليه الزخرفة بالرسم العثماني.
تناثرت صفحات "نهج البلاغة" بما فيها من فقه و أحكام و غابت مع الريح.
تداعت أعمدة جوامع الجوامع و المدارس و المشافي في دمشق و حلب و البصرة و الكوفة. تطايرت مخطوطات أئمة العلم و الهندسة و الطب و الجبر و الفلسفة و الفيزياء و الفلك. جادت بها أدمغة عاشت في ظلال الدولة الإسلامية "الخرافية".
توقفت للحظات سواقي قصور الأندلس عن الجريان في أقنيتها، و حمحم حصان صلاح الدين الأيوبي و قرعت حوافره الصخر و التمع فوقه سيف الناصر و هو يلوح بغضب عارم.
أجبي بهدوء: الدولة الإسلامية كانت موجودة دائماً و لم تنطفئ شعلتها، حملها أئمة و مجاهدون و علماء لم يكن أحدهم نبياً و لا ملكاً منزهاً عن الخطاء. كان الجميع بشراً. حتى الرسول المعظم محمد صلى اله عليه و سلم قال: "أصوم و أفطر و أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني." إن رسول الله لم يدع لنفسه الكمال فكيف يمكن أن نقيس خلفاءه بهذا المقياس. لم يكن أحدهم معصوماً، أصابوا في شيء و أخطأوا في آخر. انتصروا في مواقع و هزموا في أخرى. نجحوا و فشلوا و هذا هو حال المؤمن: شجرة باسقة تتساقط أوراقها فترة و تزدهر أخرى و لكنها تشرئب و تتطاول رغم المحن. المؤمن هو من وصفه اله عز و جل في سورة التوبة حاضاً إياه على الجهاد في كل زمن و حين: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل اله فيقتلون و يقتلون وعدا عليه حق في التوراة و الإنجيل و القرآن و من أوفى بعهده من الله..."
أجابني السيد (أ): هل تعلمين أن خالد بن الوليد فعل كذا، و عمرو بن العاص أخطأ بكذا، و معاوية بن أبي سفيان اقترف كذا؟... قاطعته بنفاذ صبر قائلة: لماذا تنكس أعلامنا؟ لماذا تحطم رموزنا؟ لماذا تطمس بصمات قادتنا؟ لماذا تمزق خارطة النصر في أيادي أطفالنا و هم يحاولون و الحجارة في قبضاتهم و على الشفاه أسماء أجدادهم معاودة بناء الصرح المتداعي.
أجابني بتحد: لكل إنسان رأيه، و لكل جيل نظرته و لكل عصر فكره... قلت بهدوء: العصر الذي أعرفه هو ما أقسم به الحق عز و جل: "و العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر."
هذا العصر الذي أقسم به الله هو الوقت الثمين الذي لا ينبغي أن نضيعه في مناقشات سفسطائية و منازعات غوغائية. " و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم". ثم تأتي في سورة العصر بلفظة الاستثناء (إلا) لتعلن أن المستثنى من الخسران هم أهل الإيمان الباحثين عن الحقيقة الصابرين على ريح العصر العاتية. |