آراء معاصرة
قصة في لوحة
لم تكن صفحات الكتاب متناثرة كما نراها في هذه اللوحة، بل كانت تقبع بسكون بين دفتيه السميكتين ، منتظمة ، منشقة ، متكاملة .. قبل أن تأتي الريح العاتية فتبعثرها ، وتعبث بها دون مبالاة .
هذا الكتاب واسمه "الحقيقة" هو جزء من جمال المشهد الذي نراه في هذه اللوحة والذي نطل من شرفته على كوننا البديع ، وكوكبنا الفريد .
"ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق"
آية 8 ، سورة الروم .
فالألوان والأضواء والظلال والآفاق وما فيها من وهاد ، وجبال ، وحقول وسهول كانت تشترك جميعاً لتعزف سيمفونية رائعة – تطرب لها النفوس ، وتستريح القلوب ، وتنعم العقول في أجواء الصفاء والسلام ..
ففي الأفق البعيد كان اللونان الأخضر الزمردي والأزرق الفيروزي ، يتعانقان في ألفة ومودة
"ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة" آية 63 ، الحج
أما زهور الوادي من أصفى بهيج ، وأحمر متأجج وليلكي حان ، فقد كانت تتجاذب ونحلات الحقول الساعيات أطراف من أحاديث شتى ، فيوقظ أزيزهن جندباً غافياً ، فيطلق صفيراً غاضباً لحين ، ثم يصمت .
وفي هذه الشرفة نرى طاولة يركن فيها ابريق ماء عذب ، وفاكهة يانعة حديثة القطاف .
"والسماء رفها ووضع الميزان* ألا تطغوا في الميزان * واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان * والأرض وضعها للأنام * فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام"
سورة الرحمن ، من الآية 7 إلى 11
أما الظلال الممتدة فكانت تلقي أجواء من النداوة اللطيفة والظلمة الخفيفة التي تشيع في النفس ارتياحاً وتثير فيها يقظة شفيفة ناعمة .
"أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفؤوا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون"
النحل ، الآية 48
ذا يوم هبت ريح عاتية ، فعبثت بالكتاب ، وبعثرت صفحاته ، فتناثر بعضها في أطراف الوادي السحيق ، وتطاير بعضها في أرجاء الشرفة الفسيحة أما بعضها الآخر فقد بقي في قبضة الريح المزمجرة ، وهي تطلق ضحكات مجلجلة في أرجاء السماء .. وهكذا ضاع الجمال ورحل السلام وتاهت الحقيقة .
كانت زهور الأصص القديمة القابعة على حافة الشرفة شاهدا لما حدث ، هتفت تحدث بفعلة الريح الآثمة ، فما كانت إلا لحظات حتى دفعت بها الريح ، فألقت بها أرضا ووطأتها بقدمها الجبارة .
أما ألواح السقف الخشبية فكانت شاهدا آخر على ما أقترفته الريح ولكنها لم تنبس ببنت شعة ، لأنها كانت تعلم أن مصيرها سيكون حطاما متناثرا كزهور الشرفة البائسة .
"وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذروهم قاتلهم الله أنى يؤفكون"
المنافقون ، الآية 4
أما زهور الوادي ، فقد طأطأت رؤوسها حزنا ، وراحت تنتحب في صمت بائس ، كان هنالك طيور تحوم بعيدا ، لم تشهد فعلة الريح ، حلقت قريبا من الزهور الباكية وسألتها عن سبب دمعها ، شهقت الزهور بأس وحدثت الطيور عن قصة الحقيقة الضائعة .
سارعت الطيور إلى حيث الشمس تجلس في قبة السماء على أريكتها الوثيرة وشكت إليها ما حل بالحقيقة الضائعة .
قالت : أيتها الشمس ، يا آية من آيات الله العظيمة في كونه البديع ، أنت النور ، وأنت كنت شاهدة على ما حل بالكون ، هل لك أن تعلني الحقيقة ، كانت الشمس تسرح غدائر شعرها الذهبي الفاتن ، وقبل أن تنطق بحرف واحد ، سارعت الريح فلملمت قطفان الغيم المسافر ، وأزجتها أمام الشمس ، فأظلمت السماء ، وسكت الكون عن الكلام ، ولم تعد تسمع إلا زمجرة الريح وهي تحدث الكون عن أوهام وأحلام .
وبينما كان الكون كله في نظام تسبيح ودعاء ، هبت رياح لطيفة آتية من الشرق ، قالت لا بد لنا من أن نعمل لاظهار الحقيقة .
"ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته"
الروم ، 46
وهكذا بدأت الرياح تدفع برفق وأناة ، قطع الغيم البيضاء الهشة رغم كثافتها ، فتحت الشمس عينها ، وصحت ، وصحت من إغفاءتها ، وانتصبت في شموخ ، قائلة : الحقيقة ما زالت مبعثرة في شتى بقاع الأرض ، لا ينالها إلا من يعمل بجد وإخلاص .
"وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم "
سورة البقرة
أيها الخليفة أتحسب أنك جرم صغير ، وفيك انطوى العالم الاكبر "علي بن أبي طالب"
|