آراء معاصرة
الإسلام والعروبة
بدأت شمس الأصيل تغزل بجد واجتهاد خيوط الذهب والأرجوان لتحيكها رداء هفهافاً تلقيه على قامة السماء، أما الأنسام اللطيفة الندية تزجي نتفاً هشة من السحاب الأبيض توشي به ثوب الزفاف كان الكون من أثير ولون يزف السماء إلى مساء ذات اليوم الربيعي من أيام شهر أيار.
أما مآذن الجوامع القديمة وقبابها فقد انتصبت بشموخ واعتداد تشهد مراسم الحفل المهيب، بقيت أشهد طقوس هذا الحفل يومياً وعلى امتداد شهور أربع خلال ترددي على منزل الآنسة (..) كي أتلقى دروساً في تجويد القرآن.
وهكذا فبعد كل صلاة عصر كنت أسافر من منزلي الكائن في الطرف الجنوبي من مدينة حلب إلى حيث المدينة القديمة المحيطة بالقلعة العتيدة. فأترك مركبتي في إحدى الشوارع، ثم أسلك دروباً ملتوية توصلني إلى حيث تقطن الآنسة (..) والتي تطل علي دائماً بابتسامتها الوديعة واستقبالها الحميم ثم تدخلني الفسحة السماوية المربعة التي تتوزع حولها غرف ثلاث متواضعة وتزدحم جنباتها بأحواض القرطاسية والخبيزة وورق الليمون. أما شجيرات الياسمين الباسقة فكانت تعلو وتشرئب كي تظلل الدرج الصاعد إلى سطح المنزل، كنت أعتلي درجاته المتهتكة البالغة العلو بشق الأنفس ثم أجلس على سرير قديم في طرف السطح الذي ما يلبث أن يئن ويزفر إزاء كل حركة أصدرها، أما الآنسة (..) فكانت تأتي وهي تتلمس طريقها بخفر وحذر فقد اختطف المرض بصرها وهي في عمر الزهور، ولكن رحمة الله أنارت بصيرتها فحفظت القرآن غيباً بقراءاته العشر.
وهكذا كانت تكتمل روعة المشهد، حين أبدأ بتلاوة القرآن تجويداً، ورغم أن معلمتي كانت تقاطعني أحياناً بأدب وحياء لتصحيح نطقي للحرف تارة وتارة عندما أخطئ فأرفع مضموماً أو أنصب مكسوراً، كانت تنبهني قائلة أليست هي كسرة في آخر الكلمة ؟ كانت رحلة القوافي والحروف، وإيقاعات التجويد التي يتنقل لساني بين أبعادها تجعلني أستشعر القرآن، وكأني أقرأه للمرة الأولى، فيعطي المد استراحة للحروف تطول بصحبته، وتقرع أحرف القلقلة الأسماع بتذبيه ووعيد، أما الإدغام والإقلاب، فكانت حروفها تغرد بألحان شجية وهكذا.
كان ما يجول به بصري من ظلال وألوان، وما تسمعه أذناي من خير كلام على وجه الأرض يجعل العالم حولي رغم شدة تواضعه فردوساً حقيقياً تحلق فيه روحي، وتمضي بعيداً بعد أن تشرب دون ارتواء من هذا المعين الثرّ. أحياناً كان يحلو لأسراب الحمام أن تشاركني روعة اللحظات فتحلق فوق رؤوسنا بفضول ثم ما تلبث أن تحط على مقربة مشفقة من الرحيل، كنت أتمنى أن يترفق الزمن بي فيوقف عجلته حتى لا تنقضي هذه الساعات السحرية، التي تمنحني طمأنينة وصفاء ليس لهما مثيل في هذا العالم المضطرب الحائر.
وقبل أن تومئ لنا السماء مودعة مكللة بألوان الشفق الحالم، محفوفة بأسراب الحمام المسافر، كان يتناهى إلى سمعي خطوات ربة المنزل وهي تحمل صينية القهوة، فآخذ دقائق استراحة، ويقف لساني عن التلاوة دون أن يقف وجيب قلبي عن الشكر عرفاناً لله عز وجل على نعماته العظيمة أنني قد وهبت لساناً عربياً. في ذاك العام ولمدة أربعة شهور، كنت أقضي في صحبة القرآن سحابة نهاري،وبعضنا من ليلي بين تلاوة أو استماع للقرآن،أو دراسة لقواعد التجويد نظرياً، وما إن استلمت شهادة التجويد،حتى غمر الدمع وجنتاي فرحاً،وشعرت أن روح جبريل عليه السلام معلم رسولنا الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم،تبارك جهدي وأدبي طوال هذه الفترة القصيرة قياسياً.أو ليس هو صلوات الله عليه القائل: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
ويقول الله سبحانه وتعالى: (وهذا لسان عربي مبين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين) (النحل: 103). وهي مقدمة طويلة حقاً لما أود أن أقول، لكن سمحت لنفسي أن أسهب كي أفتح للقارئ أولاً:نوافذ جديدة يطل بها على مراتع الجمال الآخاذ في كتاب الله سبحانه، فهو خير دواء للنفس القلقة المتعبة،وهو الملاذ الوحيد من آفات العصر وأزماته.وثانياً:أنني أردت أن أشرح مقدار العمل والدأب الذي قدمته حتى ظفرت بجدارة اللسان العربي،كل ذلك بالرغم من أن العربية هي لغتي الأم،ولكن إتقان قراءة القرآن الكريم على النحو الذي أنزل على سيدنا محمد هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة .عندما دخلت حقل التدريس في العام الفائت،صادفتني مشاكل لا بد من عرضها ليتمكن المسؤولون من تفاديها لأن حلها هي مسؤولية المسلم العربي الذي يستطيع قراءة مقالتي هذه،فالطالبات كن قد رسخت في أذهانهن طرق خاطئة في قراءة القرآن الكريم لأن اللسان الملقن سواء كان عربياً أو لا عربياً يفتقد التأهيل الكافي لإعطاء العلم.كان هناك الكثير من الأخطاء المكررة مثلاً:
1- إغفال الأحرف اللثوية ذ ظ ث ونطقها ز س.
2- الإصرار على لفظ الحرف ض المميز للغة العربية عن كل لغات الدنيا وكأنه ظ مثل أرظ عوضاً عن أرض أو وظوء عوضاً عن وضوء.
3- ضم الحروف (ال) من أول كل كلمة على اعتبار أن الرسم (5)لاشارة السكون كان يلقن للطالبات أنه ضم (و)وأخطاء كثيرة.
كان عبثاً إقناع الطالبات أن هذه أخطاء يجب تصحيحها فالجواب الحاضر لديهن دائماً،هكذا تعلمنا في الجامع كذا أو المركز كذا،أو المدرسة كذا.
فمشيت ذات يوم إلى المركز وهو شاب يافع السن ملتح،قابلني بفتور ومسافة بعيدة تفصل بيني وبينه،وأصغى إليّ باستغراب،وأنا أشرح له بحماس خطورة تعليم القرآن على نحو خاطئ، لأنه سيؤدي إلى إنشاء جيل كامل قد ترسخت لديه قراءة خاطئة .كان الفتى يحدق في الثلج العالقة بعطفي ،ويصغي إلى حماسي في الموضوع و كأنه يأبى أن يصدق أنني تكبت عناء المجيء لأجل ذلك فقط ثم عرفت لاحقاً أن معلمة المركز تمت بصلة القربى لأحد المسؤولين هناك أما الأسوأ من هذا وذاك،فقد كن الطالبات ذوات الجذور العربية،اللواتي قد أهملن من قبل الأهل فجهلن العربية كلاماً وقراءة جهلا ًمطبقاً إما بسبب التقاعس عن الحض عن تعلم العربية،أو بسبب الجهل أن اللغة العربية هي الرابط الحقيقي للإنسان الملم بالقرآن و عماد الدين الإسلامي الأول،أو قد يكون تباه خفي أن أولادهم لا يتكلمون سوى الإنكليزية رغبة منهم في طمس معالم الجذور العربية الأصلية لأنها ليست مصدر فخر في انتمائهم الأول لدول العلم الثالث.
هناك فئة أخيرة هي طالبات الصفوف المتقدمة الـ 11-12 اللواتي قد أسقطن جميعهم كورس العربية والقرآن لان ليس لهما Credit في شهادة التخرج النهائي.
إن إهمال تعلم اللغة العربية أو تعليمها (بما فيها القرآن)على نحو خاطئ مسؤولية تلقى على كاهل المسلم العربي الذي ميزه الله تعالى في القرآن الكريم في إحدى عشر موضعاً.
- "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" (يوسف: 12).
- "وكذلك أنزلناه حكماً عربياً" (الرعد: 27).
- "قرانا عربياً غير ذي عوجا لعلهم يتقون" (الزمر: 28).
- "كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون" (فصلت: 3).
- "وهذا كتاب مصدق لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا" (الأحقاف: 12).
هذا اللسان العربي الذي أمره الله عز وجل بالإنذار والإصلاح أراه غائباً في كثير من الأحيان عن الساحة الإسلامية .كما لاحظت منذ مجيء لهذه البقاع من شمال الأرض أن الاسم العالمي للإسلام وللمبادرات لتوجيه الندوات والتجمعات الإسلامية هي صادرة دائماً عن إسلام لا عربي فلما يا ترى ؟! هل لأن الإسلام العربي مشغول دائماً بتحضير الفلافل والتبولة والنارجيلة، وإحياء ليالي الطرب والرقص ؟ أم لأنه يفقد صلة الوصل مع المجتمع الكندي وهو إتقان اللغة الإنكليزية كاللغة العربية بسبب المبالغة بفخره العربي ؟ أو لعله الابتعاد والنأي عن المجتمع الكندي الذي سعينا إليه بأنفسنا واخترناه وطناً جديداً، ثم عزلنا عنه أنفسنا باعتبار أنه مجتمع كافر ؟؟ لا أرى في هذا وذاك أي إنماء لرصيد الإسلام في مجتمع North America الإسلام العربي هو الذي يجب أن يحمل مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون أن يفقد صفة الحكمة والموعظة الحسنة. ودون أن يتخذ أسلوب الفظاظة وغلاظة القلب منهجاً لدعوته، ودون أن يكون أرنباً مذعوراً يسعى إلى الزوايا فاراً بمعتقداته، إن المسلم العربي هو الحارس الأمين وهو الحافظ المؤتمن للرسالة السماوية التي أنزلت على النبي العربي محمد بن عبد الله، وهو المنتمي إلى فئة وصفها الله تعالى بأنها خير أمة أخرجت للناس، لأنها لم تنسى مسؤولية الدعوة والهيمنة عليها في شتى بقاع الأرض . |